هل تحل الهواتف الذكية مكان الطبيب؟

الثورة الرقمية تجتاح مهنة الطب

25 سبتمبر 2017 المصدر : تعليق 8919 مشاهدة طباعة
كانت الطائرة قد أقلعت للتو حين فقد أحد الركاب وعيه، فسحب إيريك توبول هاتفه الذكي وشغّل تخطيط القلب الكهربائي الفوري لمعاينة المسافر. استعمل الجهاز لفحص قلب الرجل بالموجات فوق الصوتية وقياس مستويات الأوكسجين في دمه، ثم طمأن الجميع إلى استقرار الوضع وتمكّنت الطائرة من متابعة رحلتها. فقد الرجل وعيه بكل بساطة نتيجة لتباطؤ إيقاع قلبه مؤقتاً.
 
توبول طبيب قلب في كاليفورنيا الأميركية ولم تكن المرة الأولى التي يواجه فيها وضعاً مماثلاً خلال السفر. في إحدى المناسبات، استعمل هاتفه الخلوي للتأكّد من إصابة مسافر بنوبة قلبية واضطرت الطائرة حينها إلى الهبوط فوراً. لكن يؤكد توبول أنّ أي شخص يستطيع أن يجري تخطيط القلب الكهربائي سواء كان أستاذاً في الطب أو مضيف طيران أو مسافراً عادياً. لن يحتاج الناس إلا إلى اقتناء جهاز استشعار بقيمة 200 دولار وهاتف ذكي فيه تطبيق يستطيع تحليل إيقاع القلب.
 
كما يبدو واضحاً، يشهد قطاع الرعاية الصحية ثورة كبرى وغير متوقعة. تستطيع الهواتف الذكية أن تحلّ مكان أجهزة كثيرة باتت نموذجية في الممارسات الطبية، وسيتمكّن بعض التطبيقات قريباً من تشخيص الأمراض أيضاً. من ثم، بدأ اتكال المرضى على الأطباء يتراجع. التفاصيل من (شبيغل).
 
لم يسبق أن غيّر أي ابتكار العالم بالدرجة التي فعلها الهاتف الذكي. بات استعمال الأجهزة الخلوية للتسوّق وتنظيم جداول الأعمال أمراً طبيعياً جداً. حتى أنّ تنظيم الثورات السياسية جرى عبر الهواتف الذكية، ويمكن استعمال هاتف مماثل لإيجاد شريك الحياة أو تنظيم جنازة أيضاً.
 
تُباع يومياً حول العالم هواتف ذكية بأعداد تفوق ولادات الأطفال بعشرة أضعاف. أخيراً، بدأت هذه الهواتف تغزو عالم الطب.طوال آلاف السنين كان المرضى يتّكلون على مساعدة الآخرين، تحديداً المعالجين والأطباء. لكن بدأت الأجهزة الخلوية اليوم تغيّر الوضع القائم منذ فترة طويلة. بمساعدة أدوات صغيرة ومقبولة الكلفة، تستطيع الهواتف الذكية أن تقيس النشاط الكهربائي في الدماغ وضغط العين وضغط الدم. هي قادرة أيضاً على إجراء تخطيط كهربائي للقلب، ورصد الرجفان الأذيني، والتحقق من عمل الرئتين، فضلاً عن تسجيل النفخة القلبية، وتصوير الأذن الداخلية، وقياس نسبة الكحول في النَفَس، وفحص الشريان الأبهر، وحتى تجزئة الحمض النووي.
 
سيتلاشى قريباً الفرق بين عيادة الطبيب العام وبين الهاتف الذكي المُجَهّز بالأدوات اللازمة كافة من الناحية التقنية. يُقال منذ الآن أصلاً إن المرضى يستفيدون من هاتفهم الخلوي أحياناً أكثر من الأطباء.
 
منافسة محتدمة
بدأ بعض التطبيقات مثل M-sense يُحدِث ثورة في مجال تشخيص الصداع النصفي. تطوِّر جامعة (ماغدبورغ) الألمانية برنامجاً للهواتف الخلوية اسمه Neotiv لتشخيص مرض الزهايمر بدقة. حتى أن بعض أجهزة المسح يُذكّرنا بجهاز الاستشعار الثلاثي في سلسلة Star Trek: يكفي أن نضع الجهاز بمستوى جبين المريض كي نتلقى معلومات تشخيصية خلال ثوانٍ.

طوّرت إحدى الشركات أيضاً أول تطبيق خاص بقياس الطيف الكتلي واسمه SCiO. إذا وضعناه فترة قصيرة إزاء تفاحة مثلاً، ستظهر تركيبتها الدقيقة على الشاشة. يعمل التطبيق مع الحبوب أيضاً: بفضله، يمسح الجهاز بنية الغرض ويقارنه بقاعدة البيانات، ثم يخبرنا بطبيعته (قرص باراسيتامول مثلاً). لم يصبح هذا الاختبار نموذجياً بعد، حتى في أقسام الطوارئ في المستشفيات.
 
لم تتّضح بعد تداعيات هذه التغيرات كلها على قطاع الرعاية الصحية. لكن ثمة أمر مؤكد: يتنافس الأطباء في ما بينهم وتضمن تلك المنافسة تنشيط القطاع. خلال سنوات قليلة، لن يتمكّن المرضى من تحديد الطبيب المناسب فحسب، بل إنهم سيتمكنون أيضاً من الاختيار بين الأطباء المحليين، وإجراء تشخيصات عبر الإنترنت، واستعمال أجهزة مسح ذكية. حتى أنهم ربما يخضعون للفحص في سياراتهم الخاصة.بناء عليه، زادت قوة المريض، ولم يعد الأطباء ضروريين بالدرجة نفسها.
 
قطاع بمليارات الدولارات
تألّفت أول موجة من التطبيقات الصحية من أساور تعقّب وأكسسوارات مشابهة سخر منها كثيرون باعتبارها نسخة مضخّمة من عدّاد الخطى. لكن بدأت الموجة الثانية تتحوّل إلى لاعب أساسي في فرع التكنولوجيا الطبية. بدأ المستثمرون يعتبرون هذا التطوّر (ابتكاراً صحياً جدّياً) يمكن جني الأموال منه. لكن أصبحت مسائل أخرى على المحك، من بينها الثقة والقدرة على غزو نظام الرعاية الصحية التقليدي.
 
لا يقع مركز الطب الرقمي في منطقة (سيليكون فالي) التي تشكّل محور مواقع التواصل الاجتماعي العملاقة مثل (فيسبوك) و(سناب شات)، بل في الساحل الشرقي للولايات المتحدة وفي أوروبا.ماركوس موسشنيتش أحد قادة الثورة في برلين. منذ أن قرّر هذا الرجل البالغ من العمر 56 عاماً تكريس حياته للطب الرقمي، لم يوقفه أي أمر: كان ينظِّم المواعيد مع وزير الصحة الألماني هيرمان غروهي حيناً، ويطلق مؤتمرات عبر الفيديو مع شركات مبتدئة وواعدة أحياناً.

يتكلّم موسشنيتش في معظم الأوقات عبر سماعة هاتفه أو يقدّم عروضاً إزاء أطباء ومسؤولين في شركات التأمين وسياسيين. كان سابقاً طبيب أطفال، ولم يشأ يوماً أن يكتفي بمعالجة المرضى. يقول في هذا المجال: (حتى الآن لم أندم على التخلي عن معطف المختبر).
 
كان موسشنيتش جزءاً من الفريق الإداري في مستشفى في برلين قبل أن يصبح عضواً في مجلس إدارة سلسلة المستشفيات والعيادات (سانا) في ألمانيا. لم يجد هذا الرجل دعوته الحقيقية في مجال طب الأطفال أو في تحليل البيانات الاقتصادية في مراكز أمراض القلب. سرعان ما اكتشف شركة طوّرت تطبيقاً يساهم في معالجة الأولاد المصابين بالحَوَل، ثم أقنع شركة التأمين الصحي (بارمر) بإعادة ثمن التطبيق إلى عملائها. نتيجةً لذلك، ظهر أول تطبيق طبي على الإطلاق. اليوم، يملك موسشنيتش شركة (فلاينغ هيلث) التي تدعم الشركات المبتدئة في القطاع الطبي وتتقاسم أموالها ومعارفها في آن.
 
كان موسشنيتش عمل في شركة (باشيانتس) التي تقع في مدينة (لوبيك) وتعطي نصائح طبية عبر رابط فيديو، كذلك يقدِّم توصيات إلى شركة (ماي شوغر) المبتدئة التي تُعنى بداء السكري، وبيعت حديثاً لشركة الأدوية السويسرية العملاقة (روش).كذلك يشارك موسشنيتش في شركة تُطوّر برنامجاً خاصاً بالنساء الحوامل واسمه Onelife، ويحاول رفع قيمة شركة (نيوتيف) التي تطوّر تطبيقاً لرصد مرض الزهايمر.
 
يعمل موسشنيتش مع موظفيه العشرة في مساحة عمل يتقاسمونها مع شركات مبتدئة أخرى في برلين، وقرّر التمسّك بالتفاؤل الفائق الذي يسود في ذلك المكان: (كل يوم، أشاهد هنا شباباً يثبتون أنهم أفضل منا. إنه وضع مُلهِم فعلاً).
 
منافسة غير متوقعة
تظن شركة (دراغر) المتخصصة بمعدات التنفس الاصطناعي في (لوبيك) أن التطور سيتحقق ببطء لكنه حتمي. يزيد اتكال الأطباء على دعم البرمجيات لإجراء عمليات معقدة مثل نزع أجهزة التنفس الاصطناعي عن المرضى. بات شائعاً أيضاً أن ينقل الأطباء بيانات المراقبة إلى هواتفهم الخلوية.

طورت شركة (جونسون أند جونسون) آلة جديدة إلى جانب ابتكار Sedasys الذي يتعامل مع التخدير القصير وحده تقريباً مقابل عِشر السعر الذي يطلبه أطباء التخدير. لكن أوقفت شركة التصنيع منذ ذلك الحين بيع المنتج بسبب انخفاض مستوى المبيعات.
 
يُعتبر الوقت عاملاً جوهرياً في هذا المجال. تشير الآفاق التكنولوجية الجديدة راهناً إلى دخول شركات غير متوقعة إلى السوق الطبية، من بينها شركة تصنيع السيارات (أودي).
 
طوال سنوات كانت (أودي) تعمل على تطوير مركز صحي متنقل. كانت مقتنعة بأن السيارات ذاتية القيادة ستعطي السائقين نسبة مفاجئة من وقت الفراغ، لذا عمد المهندسون في الشركة إلى اختبار علاجات صحية داخل السيارة. مثلاً، تكون تمارين التنفس ضرورية بناءً على الارتجاع البيولوجي وتحليلات تخطيط القلب الكهربائي ويجري العمل أيضاً على تطوير نظام تدليك بالذبذبات.
 
لكن تحمل الشركة أهدافاً أكثر طموحاً. تقول كريستيان ستارك التي ترأس مشروع (السائق السليم): (هذه السيارة ممتازة لإجراء الفحوص الطبية). داخل السيارة ثمة مساحة خاصة ومحميّة ومليئة بعدد هائل من أجهزة الاستشعار. تتابع: (لن يطرح فحص السائق مشكلة في المستقبل القريب). بعد تلك المرحلة، سيسهل إنشاء رابط آمن مع أي طبيب بعيد. إذا برزت الحاجة إلى موعد طبي مباشر، يرسل نظام الملاحة السيارة إلى أقرب منشأة مناسبة.
 
فيما تجذب حوادث سيارات (تيسلا) مستوىً معتدلاً من الانتباه، لا سيما إذا اتّكل السائقون على السائق الآلي، تمرّ حوادث أخرى مرور الكرام كتلك التي وقعت في يوليو الماضي. أصيب رجل كان يقود سيارة (تيسلا) على طريق سريع في الولايات المتحدة بانسداد رئوي لكنه تمكّن من إدخال عنوان مستشفى قريب إلى نظام الملاحة في سيارته.

قادته السيارة إلى هناك بطريقة آلية فيما كان يعاني في مقعد السائق. نجا الرجل بفضل سيارة (تيسلا) على الأرجح وهذا ما طرح السؤال التالي: هل ستتمكن سيارات المستقبل من رصد الحالات التي تهدّد الحياة آلياً؟ تقول ستارك إن هذا الاحتمال ممكن طبعاً. لكن يبدو الخبير الطبي موسشنيتش مستعداً لتجاوز هذا الاحتمال: (سيصل المرضى إلى الطبيب بعد تشخيص حالتهم بالكامل. يمكن أن تعطي سيارتهم أو هاتفهم الذكي ذلك التشخيص).
 
الأطباء
خلال المؤتمرات، يحبّ الأطباء أن يمزحوا حول ضرورة فرض رسم حين يضطرون إلى التعامل مع معلومات (غوغل) التي ينقلها بعض المرضى، لا سيما أولئك الذين يقومون ببعض البحوث على الإنترنت ويكتشفون أمراضاً كانوا يجهلون وجودها. يكفي أن ينقروا بضع مرات كي يظنوا فجأةً أنهم مصابون بمرض عضال. تشكِّل السخرية من (الدكتور غوغل) طريقة سهلة لإضحاك الأطباء، لكنّ العكس صحيح أيضاً: ربما تقدم التوصيات التي يعطيها البرنامج مساعدة قيّمة.
 
لطالما تمكنت الخدمة الصوتية (أليكسا) التي أطلقها موقع (أمازون) مثلاً من تقديم المساعدة على مستوى الإنعاش القلبي الرئوي. لا تصدر هذه الخدمة تنبيهاً للاتصال بسيارة إسعاف فحسب، بل إنها تعطي تعليمات حول طريقة تدليك القلب. كذلك يستطيع روبوت (جاينت) على (فيسبوك) أن يعرف عبر الدردشة ما إذا كان الشخص التقط فيروس زيكا. استفاد الناس حول العالم من هذه الخدمة المجانية والفورية. اليوم تتصدر دراسة جديدة عناوين الصحف بعدما أثبتت أن نظام الحلول المحوسبة يجيد توقّع أمراض القلب أكثر من المبادئ التوجيهية التي يعطيها الأطباء على أرض الواقع.
 
يقول الخبير الرقمي موسشنيتش: (الرخصة ليست كافية لحماية الأطباء من المنافسة). وهو يظنّ أن الروبوتات ستطرح تحدياً جدياً على الأطباء قريباً، تحديداً حين نجهل ما إذا كان المسؤول عن التشخيص إنساناً أو برنامجاً: (يجب أن يثبت الأطباء أنهم بارعون بالقدر نفسه. ستزيد صعوبة هذه المهمة حين يبلغ الذكاء الاصطناعي ذروته).
 
إلى متى سيثق المرضى بأطباء الجلد إذا كانت البرمجيات قادرة على مقارنة البقع الجلدية الغريبة بملايين الصور خلال ثوانٍ معدودة؟ هل سيبقى ضغط الدم الذي يرتفع عند قياسه في عيادة الطبيب كما أثبتت الدراسات ضرورياً مقارنةً بنتائج الساعات الذكية التي تأخذ القياسات بشكل متكرر وسلس كل ساعة؟ يظن موسشنيتش أن الوضع سيتغير جذرياً حين تتطوّر الأنظمة الرقمية لدرجة أن تصبح أفضل من الأطباء وأقل كلفة من خدماتهم.
 
يظن كثيرون أن برامج الدراسات الطبية بشكلها الراهن لا تركّز على تحضير الطلاب للتحدّيات الرقمية المرتقبة. هل سيتأثر المرضى بخبرة الأطباء حين يتمكنون من تلقي المعلومات نفسها من مصدر آخر وبأسلوب يسهل فهمه؟ وهل سيبقى الأطباء قادرين على تنظيم وقتهم الضيق للمواعيد الطبية إذا بدأوا يتنافسون مع روبوتات مستعدة للإجابة عن الأسئلة طوال الوقت، حتى لو تكرر السؤال نفسه؟ وهل سيتقبل المرضى اضطرارهم إلى انتظار ثلاثة أشهر كي يأخذوا موعداً طبياً قبل أن يجلسوا ساعة كاملة في غرفة الانتظار من أجل محادثة لا تتجاوز السبع دقائق مع الطبيب إذا حصلوا على بدائل رقمية فاعلة بالقدر نفسه؟
 
المنتجون
على مسافة غير بعيدة من مطار (هامبورغ)، في شارع (رونتغن) الذي سُمّي تيمناً بعالم الفيزياء الألماني الذي اكتشف الإشعاع الكهرومغناطيسي المستعمل في الأشعة السينية، يقع الفرع الألماني لشركة (فيليبس). اليوم، لم تعد هذه الشركة الهولندية متعددة الجنسيات تشبه ما كانت عليه طوال مئة سنة تقريباً، قبل عام 2014، حتى أن التغيير الحاصل بات واضحاً في هندستها المعمارية. تحمل الطوابق في هذا المكان أسماء مختلف أحياء (هامبورغ) وتُعقَد الاجتماعات في غرف على شكل (مربعات). يملك المدير التنفيذي مكتباً في مساحة مفتوحة وثمة وحدات مركّبة بالقرب من الحمّامات للهواتف الخلوية الخاصة بالموظفين.
 
لم تعد أجهزة التلفزيون التي تحمل اسم (فيليبس) ترتبط مباشرةً بالشركة لأن الماركة خسرت رخصتها في هذا المجال. تمّت تصفية قسم المصابيح الكهربائية أيضاً ولم يبقَ لها إلا المعدات الطبية. يقول بيتر فولينغز، رئيس شركة (فيليبس) في ألمانيا ومدير 4800 موظف: (أينما أذهب، أضطر إلى تفسير تحوّل (فيليبس) اليوم إلى شركة خاصة بالتكنولوجيا الطبية). لكنه يجد نقاط تشابه مع قطاع التلفزيون الذي كان يديره سابقاً: (انتقلوا من إصدار منتجات فاخرة إلى سلع استهلاكية بسيطة. يحصل الأمر نفسه الآن في قطاع التكنولوجيا الطبية). بدأ بعض المنافسين الجدد ينضمّ إلى هذه السوق، مثل (غوغل) و(آبل) و(سامسونغ) و(آي بي إم).
 
تُعتبر شركة (فيليبس) رائدة في قطاع فراشي الأسنان الكهربائية. بعض النماذج مزوّد بأجهزة استشعار تتعقب حركة فرك الأسنان، وتستطيع أن تقدم المعلومات بمساعدة تطبيق في الهاتف الذكي. صحيح أن الشركة لا تزال تبيع قطعاً كبيرة من المعدات للعيادات والمستشفيات، لكن يجري العمل على تطوير عدد متزايد من التطبيقات للمستهلكين في القطاع الخاص أيضاً.
 
تُصنّع الشركة جهازاً لاستشعار حوادث السقوط التي تصيب الأشخاص الضعفاء جسدياً، ما يعني أنه يقيس خطورة حادث السقوط ومدى الحاجة إلى مساعدة عاجلة. بدوره، يستطيع برنامج (كاميرا الإشارات الحيوية) من إنتاج (فيليبس) أن يقيس ضربات قلب المريض وإيقاع تنفّسه بفضل صورة بسيطة عبر الهاتف الخلوي، ويمكنه أن يجري تخطيطاً كهربائياً للقلب بدقة مدهشة.
بدأت نماذج العمل تتغير أيضاً. لطالما فرضت الممارسات النموذجية أن تشتري العيادات والمستشفيات بشكل دوري قطعاً كبيرة من المعدات التي تكلّف آلاف أو حتى ملايين اليورو، لكن ربما تصبح رسوم استخدام تلك الآلات جزءاً من الإجراءات المستقبلية. على سبيل المثال، تشمل آلة Lumify المحمولة للموجات فوق الصوتية والمتّصلة بهاتف ذكي لإنتاج صور عالية الدقة رسماً شهرياً للاشتراك في البرنامج.
 
تعتبر شركة (فيليبس) أن القابلات يشكلن سوقاً واعدة لتسويق الجهاز. تستطيع القابلة أن تجري الفحص في مكان وجودها ثم ترسل النتائج إلى الطبيب النسائي. في مرحلة لاحقة من المستقبل، يمكن تطوير ذلك البرنامج كي يتولى تحليل فحوص التصوير بالموجات فوق الصوتية بالكامل.
 
تطبّق شركة Siemens Healthineers، القسم المعنيّ بالتكنولوجيا الطبية في شركة (سيمنز)، مقاربة أكثر تحفظاً. يقول آرثر كايندل، رئيس قسم الخدمات الصحية الرقمية: (عملاؤنا ليسوا المرضى بل المستشفيات والممارسات الطبية). كل ساعة، يخضع نحو 200 ألف مريض للفحص بمساعدة معدات (سيمنز) حول العالم.
 
أمام هذه التطورات، ربما تصبح قاعدة البيانات قريباً أهم من الآلات نفسها. في النهاية، تُعتبر البيانات قيّمة جداً. في هذا المجال، يوضح كايندل: (يبدو أننا سننتج في نهاية المطاف برمجيات تساعد الأطباء على تشخيص الأمراض). ربما يتطور هذا الدعم في النهاية ويتحوَّل إلى تقنية قادرة على إتمام مهام عدة كان الأطباء يؤدونها تقليدياً، لكن تلجأ شركات تصنيع المعدات الطبية إلى هذه الطريقة، إذا اعترفت بما تفعله أصلاً، بعدما تتأكّد من عدم الإفصاح عن هويتها. تخشى تلك الشركات أن تُغضِب عملاءها بلا مبرر، بما في ذلك العيادات ومقدّمو الإسعافات الأولية وخبراء الطب.
 
المرضى
اكتشف استطلاع أجرته حديثاً شركة (فلاينغ هيلث) الطبية المبتدئة أن معظم المرضى يفضّل منذ الآن أن يتلقى التوصيات الطبية من تطبيق مرخّص بدل الطبيب بغض النظر عن المسافة التي تفصله عن عيادة الطبيب أو مدة الانتظار.يقول موسشنيتش: (ترتكز براعة الأطباء على مبادئ التوزيع البياني. البعض ممتاز والبعض الآخر فاشل بامتياز، وثمة مجموعة كبيرة من الأطباء المقبولين لكنهم ليسوا مثاليين). يظنّ موسشنيتش أن التكنولوجيا تزيد قدرة المرضى على فرض سيطرتهم: (يستطيع هؤلاء الآن أن يتأكدوا من أنّ الطبيب يعرف ما يتكلم عنه).
 
في عالم الطب الرقمي المرتقب، ستبرز نقطة ضعف هائلة: أمن البيانات. كلما اتخذ الطب منحىً رقمياً، سيصبح المرضى أكثر ضعفاً. 
سبق وتعرّضت قواعد بيانات خاصة بثلاثة من أكبر شركات تصنيع المعدات الطبية في العالم ((ميدترونيك)، (سانت جود)، (بوسطن ساينتفيك)) للقرصنة.وفي شهر مايو، أدت ثغرة أمنية في نظام (ويندوز) إلى تعطيل المستشفيات في بريطانيا.
 
يعتبر مقدّمو البرمجيات غالباً أن هوية المستخدم غير مهمة بالنسبة إلى الخدمة التي يقدمونها.لكن طوّرت شركات مثل (دروبريدج) نظاماً لربط أجهزة متنوعة بمستخدم معيّن من خلال دمج بيانات مأخوذة من مواقع إلكترونية وتطبيقات وتحليل أوقات استخدامها وتعقب الموقع الجغرافي.
 
 كذلك لا تتمتع البيانات في بعض التطبيقات الصحية بدرجة عالية من معايير الحماية ولم يحصل عدد كبير منها على مصادقة (إدارة الغذاء والدواء) الأميركية.
 
ماذا يحصل حين يستعمل المرضى هاتف العمل ويستطيع رب عملهم أن يراقب أهم الوظائف في الهاتف؟ هل سيتمكن أرباب العمل من الوصول إلى معلومات صحية حساسة؟أين سيحتفظ المرضى ببياناتهم الصحية المهمة؟ سيكون السجل الصحي الإلكتروني مناسباً بشرط أن يتمكّن كل مريض من الوصول إليه ويقرِّر بنفسه الجهات التي يريد تقاسم المعلومات معها. ستزيد أهمية هذه المسائل عند إدراج المعلومات الجينية.
 
 يوضح موسشنيتش: (لا يمكن أن تصبح حماية البيانات حجّة يستغلها البعض.عند تطبيقها بالشكل الصحيح، ستتفوق منافعها على سلبياتها). يوافقه الرأي مدير شركة (فيليبس) بيتر فولينغز: (ستصبح حماية البيانات بدرجة فائقة قاتلة في مجال الطب).أصبحت التكنولوجيا حقيقة راسخة ولا تكف عن التحسّن وبات المرضى مستعدين لاستعمال الرعاية الطبية الرقمية.
 
 ولكن لن تزول الحاجة إلى الجلوس إزاء شخص حقيقي يستمدّ سلطته من خبرته الطبية. هل يجب أن يكون ذلك الشخص اختصاصياً مرخّصاً، أم سيكون التدرّب على التواصل مع المرضى كافياً؟رغم التحولات السريعة التي يشهدها مجال الطب، تشير المعطيات الراهنة إلى أن طبيب المستقبل سيبقى إنساناً. 
 
ورغم الابتكارات الحاصلة كافة، لن يجتاح الطب المبني على الهواتف الذكية حياتنا بين ليلة وضحاها.في عالم الطب، تبلغ الفترة الفاصلة بين تطوير مقاربة أو آلة جديدة وشيوع استعمالها نحو 17 سنة.انطبقت هذه القاعدة أيضاً على الأدوات التي أصبحت نموذجية طوال 200 سنة.
 
 احتاجت سماعة الطبيب مثلاً إلى 20 سنة منذ اختراعها في عام 1816 كي تتجاوز حملة الرفض القوية من الأطباء. اليوم يرفض عدد كبير منهم التخلي عنها رغم ظهور خيارات بديلة!

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      1649 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      1601 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      1463 مشاهده
 ليلة قدر تقود الليالي الطيبة
  20 يونيو 2017        3 تعليق      701 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      60312 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      54041 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      37360 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      36579 مشاهده

موضوعات تهمك

أتصل بنا
Independent Political Arabic Daily Newspaper
© 2013 جميع الحقوق محفوظة لجريدة الفجر
تصميم وتطوير Smart Vision