بحثاً عن جزئيات أدوية محتلمة

الذكاء الاصطناعي.. هل يستطيع أن يقدّم الكثير لعلم الأحياء والطب

29 أبريل 2017 المصدر : تعليق 3536 مشاهدة طباعة
في مصنع سابق للجلديات على أطراف طريق يوستن في لندن، انطلقت أخيراً شركة واعدة. تتألف الغرفة الرئيسة في BenevolentAI من مساحة كبيرة مفتوحة، حيث يجلس العلماء وخبراء الشفرة على مقاعد وينكبّون على أعمالهم المختلفة. ولكن لنجم الشركة مكتب خاص حرارته مضبوطة بدقة. ما هذا النجم إلا جهاز كمبيوتر يشغّل نظاماً إلكترونياً يشكّل قلب BenevolentAI، ويُعتبر أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي.
 
للذكاء الاصطناعي أشكال عدة. لكن نسخة BenevolentAI تتّخذ شكلاً من تعلّم الآلات يمكنه التوصل إلى خلاصات مما يتعلّمه. يستطيع هذا الذكاء الاصطناعي خصوصاً معالجة اللغة الطبيعية ليصوغ أفكاراً جديدة مما يقرأه. أما الهدف منه، فهو الغوص في المكتبات الكيماوية الواسعة، وقواعد البيانات الطبية الضخمة، والتقارير العلمية التقليدية، بحثاً عن جزئيات أدوية محتلمة.
 
بالإضافة إلى ذلك، لا تُعتبر BenevolentAI استثناء. يزداد عدد الشركات والأشخاص الذين يعتبرون أن باستطاعة الذكاء الاصطناعي كشف أسرار علم الأحياء والمساهمة في تعزيز صحة الإنسان. كما أشار كريس بيشوب من قسم (مايكروسوفت للبحوث) في كامبريدج بإنكلترا، تقوم إحدى طرائق التفكير في الكائنات الحية على إدراك أنها في الجوهر أنظمة معقدة تعالج المعلومات باستخدام مجموعة من البرامج والمعدات الإلكترونية.
 
لا شك في أن لهذه الفكرة عواقب. من مبادرة تشان زوكربيرغ الجديدة من مؤسس (فيسبوك) وزوجته إلى شركات علم الأحياء الفرعية التي تؤسسها شركات مثل Alphabet (شركة غوغل الأم)، وIBM، وميكروسوفت، تقوم الفكرة الجديدة التي تلقى رواجاً في وادي السيليكون على أن عوالم علم الأحياء والأمراض المتقلبة تضمّ مشاكل يستطيع المهندسون الإلكترونيون حلّها.
 
أموال الأدوية
يشكّل اكتشاف أدوية جديدة اختباراً باكراً لفكرة أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدّم الكثير لعلم الأحياء والطب. تواجه شركات الأدوية صعوبة متزايدة في تحقيق تقدّم ملموس في بحثها عن منتجات جديدة. تقوم المقاربة التقليدية المعتمدة على التحقق أولاً من أعداد كبيرة من الجزيئات بحثاً عن أي إشارات إلى تأثير حيوي مفيد، ثم الانتقال بعد ذلك إلى إزالة الشوائب باللجوء إلى سلسلة اختبارات وتجارب تزداد كلفة على أمل العثور في النهاية على الجائزة المنشودة. لكن هذه الطريقة المتبعة تحدّ من الإنتاجية وترفع الكلفة.
 
يعزو كثيرون صعوبة التوصل إلى أدوية جديدة إلى أن معظم الجزيئات المفيدة الواضحة اكتُشف. نتيجة لذلك، لم يتبقَّ إلا الغامض منها، ما يؤدي بالتالي إلى فترات تطوير طويلة ويفاقم معدلات الفشل. نظرياً، لا بد من أن تكون لتعمّق المعرفة في العلوم الأساسية فوائد كبيرة. لكن المشكلة تكمن في الكم الكبير من المعلومات الجديدة التي تُنتج، ما يصعّب عملية فهمها كلها.
 
يتضاعف الإنتاج العلمي كل تسع سنوات. بالإضافة إلى ذلك، باتت البيانات تُقدّم راهناً بتفصيل ممل عند نشرها بهدف إطالة سير الباحثين الذاتية. نتيجة لذلك، صار من الصعب الخروج بخلاصات مقتضبة من هذا الكم الهائل من المعلومات. قبل نحو قرن، كان باستطاعة إنسان، إن بذل قليلاً من الجهد، أن يكون خبيراً في معظم حقول الطب.

لكن اليوم، يستحيل على أي إنسان أن يفهم أنواع البيانات المختلفة كافة، حسبما يشير نيفن نارين من شركةBERG Health للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية في فرامينغهام بماساتشوستس.
 
هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي. بالإضافة إلى قدرة هذا الذكاء على (استيعاب) شتى المعلومات من التقارير والبنى الجزيئية إلى تسلسل الجينوم والصور، بإمكانه أيضاً التعلّم، وإجراء الروابط، وتكوين الفرضيات.

ويستطيع أيضاً في غضون أسابيع تسليط الضوء على روابط واضحة وتقديم أفكار جديدة نحتاج إلى أزمان من الجهود البشرية بغية التوصل إليها. كذلك ينجح هذا الذكاء في تقييم أدلة تدعم فرضياته بأسلوب متوازن. ولا شك في أنه يتفوّق على الإنسان في هذا المجال لأن الناس صاروا اليوم متشددين في تمسكهم بنظرياتهم ويتبعونها من دون أي تفكير. وتشكّل هذه الجهود المهدورة عقبة في طريق أفضل شركات الأدوية.
 
على سبيل المثال، يوضح ريتشارد ميد، عالِم أعصاب من جامعة شيفيلد بإنكلترا، أن BenevolentAI أعطته فكرتَي علاج للتصلب الجانبي الضموري، وهو المرض العصبي التنكسي الذي تتناوله بحوثه. يبقي ميد هذين الجزيئين سريين، فيما يقيّم فائدتهما. يشكّل أحدهما محوراً رئيساً في ما يعمل عليه هو وفريقه راهناً.

ويعتبر العالِم أن عمله يثبت قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد أفكار جيدة. لكن الجزيء الثاني معقّد وغامض، إلا أنه مثير للاهتمام ميكانيكياً. ولولا مساعدة الذكاء الاصطناعي لكان فريقه تجاهله، ذلك نتيجة لتحيزه، حسبما يقر ميد.
 
صحيح أن BenevolentAI تشكّل راهناً لاعباً صغيراً على مسرح علم الأحياء والذكاء الاصطناعي، إلا أن شركات أكبر منها بكثير تخوض أيضاً هذه التجربة. على سبيل المثال، يُستخدم واتسون، نظام كمبيوتر بنته شركة IBM، بطرائق مماثلة. عقدت IBM شراكة خاصة مع شركة الأدوية الأميركية Pfizer بهدف تسريع اكتشاف الأدوية في طب المناعة والأورام، علماً بأن هذا مجالٌ واعد في علاجات السرطان التي تشجّع نظام المناعة في الجسم على محاربة الأورام.
 
علاوة على ذلك، سيؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً في الرعاية السريرية. لاحظ أنتونيو كريمينسي، الذي يعمل في قسم مايكروسوفت للبحوث في كامبريدج على غرار الدكتور بيشوب، أن العملية المتبعة راهناً في تحديد أطراف الأورام في الصور التي تقدمها آلات التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي تُجرى يدوياً.

وهذه عملية مضنية تستغرق وقتاً طويلاً (نحو أربع ساعات). لكن الذكاء الاصطناعي قادر على تقليص هذه الفترة إلى دقائق أو حتى ثوانٍ، فضلاً عن أن النتائج ستكون دوماً ثابتة، بخلاف ما يعدّه الأطباء.
 
يصف تقرير نُشر أخيراً في مجلة JAMA الطبية الأميركية مثالاً آخر لانتقال الذكاء الاصطناعي إلى الإطار السريري. أظهر التقرير أن من الممكن استعمال الذكاء الاصطناعي لتحديد الاعتلال الشبكي البقعي والاستسقاء البقعي (مرضان يؤديان إلى العمى) في صور الشبكية. كذلك تستخدم Enilit، شركة جديدة في سان فرانسيسكو، الذكاء الاصطناعي كي تطوّر برنامجاً إلكترونياً تجارياً يمكنه المساعدة في القرارات السريرية، ويشمل نظاماً يتفحص صور الصدر الملتقطة بالأشعة السينية بحثاً عن أي إشارات إلى المرض.

على نحو مماثل، لجأت شركة Your.MD في لندن إلى الذكاء الاصطناعي من خلال تطبيق كي تقدّم تشخيصاً يستند إلى معلومات يقدمها المريض عن الأعراض. تشارك IBM أيضاً من خلال واتسون في العمل السريري، فبإمكانه أن يقترح خطط علاج لعدد من أنواع السرطان المختلفة. ولا شك في أن هذه التطورات تبدّل قدرات الأطباء على البحث عن الأمراض وتشخيصها.
 
قوة الشبكة
يشكّل التعقيد عقبة بيولوجية مهمة أخرى يستطيع الذكاء الاصطناعي المساهمة في تخطيها. يتقدّم العلم التجريبي بتثبيت متغير واحد في كل تجربة، إلا أن هذه المقاربة ليست سهلة دوماً، خصوصاً عند التعاطي مع شبكة من الجينات، أو البروتينات، أو الجزيئات الأخرى. لكن الذكاء الاصطناعي يستطيع التعامل مع هذه المسألة بسهولة مقارنة بالبشر.
 
في BERG Health، يبدأ نظام الذكاء الاصطناعي بتحليل عينات الأنسجة، والمعلومات الجينية، وغيرهما من بيانات سريرية مرتبطة بمرض معين. واستناداً إلى هذه المعلومات، يحاول بعد ذلك إعداد نموذج عن شبكة تفاعل البروتينات الكامنة وراء المرض. في هذه المرحلة، يتدخّل الباحثون ليختبروا توقعات النموذج في نظام حيوي فعلي. يُشار إلى أن دواء محتملاً اكتشفته BERG Health بهذه الطريقة (علاج موضعي للسرطانة الحرشفية الخلايا، وهو شكل من أشكال سرطان الجلد) نجح في اجتياز تجارب السلامة والفاعلية الأولية وينتظر اليوم اختباره على نطاق أوسع. وتؤكد الشركة أنها تعمل راهناً على تطوير عدد من الأدوية الأخرى.
 
ولكن رغم طموحات العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي، ثمة أسباب كثيرة تدعونا إلى الحذر. يشدّد الدكتور ميد: (لا أعتقد أننا بلغنا مرحلة نستطيع معها إعداد نموذج من خلية واحدة، فالنماذج المتوافرة غير مكتملة). حتى إن هذا النقص يمتدّ إلى نماذج البروتينات المنفردة، ما يعني أن العلم لم يتقن بعد عملية توقع ما إذا كان تبديل معين سيجعل جزيئاً يُفترض أن يتفاعل مع بروتين ما دواء أفضل.

أُعدت غالبية بنى البروتينات المعروفة من نسخ مجمّدة من الجزيء، وحافظت على تماسكها شبكاتٌ من الروابط الكيماوية. لكن البروتينات في الواقع مرنة، وهذا ما يجعل التعاطي معها أكثر صعوبة.
 
نتيجة لذلك، ما زال أمام العلماء الكثير من العمل على المستوى الجزيئي قبل أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من اكتشاف تفاعلات الخلية الداخلية. يهدف أحد مشاريع مبادرة تشان زوكربيرغ الأولى إلى تقديم بيانات أساسية مماثلة. ويشكّل هذا الأمر بحد ذاته مهمة ضخمة. لكن الذكاء الاصطناعي يستطيع هنا أيضاً أن يساهم في تسريع مشروع مماثل.
 
سيحضّ الذكاء الاصطناعي الناس على توليد بيانات جديدة وإجراء تجارب محددة، ثم سيطلبون منه تنظيم النتائج وإقامة الروابط. قال اسحق نيوتن: (إن توصلت لشيء، فلأنني أقف على أكتاف عمالقة). وإن كان عقلهم مصنوعاً من السيليكون، فلا ضرر في ذلك.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      319 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      323 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      93 مشاهده
 ليلة قدر تقود الليالي الطيبة
  20 يونيو 2017        3 تعليق      134 مشاهده
يوسف جوهرة العقائد السماوية
  16 يونيو 2017        2 تعليق      214 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      59116 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      52982 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      36534 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      35854 مشاهده

موضوعات تهمك

أتصل بنا
Independent Political Arabic Daily Newspaper
© 2013 جميع الحقوق محفوظة لجريدة الفجر
تصميم وتطوير Smart Vision