رحلته لآسيا لن يسجّلها التاريخ:

ترامب وشي جين بينغ، الأعمى في مواجهة الرائي...!

12 نوفمبر 2017 المصدر : • الفجر - دومينيك موسي ترجمة خيرة الشيباني تعليق 350 مشاهدة طباعة
«نيكسون في الصين”.. هو عنوان الأوبرا التي ألّفهـــــا جـــــــون آدامــــــز بين عامي 1985 و1987، أي بعــــــد أقـــــــل مــــــن خمسـة عشر عامــــا عن حــــــدث كان نقطــــة تحـــول هامــــة في تاريـــــخ الحـــرب البـــــاردة. ومهما كان حجم العقود الاقتصادية التي وقعتها الولايات المتحدة، أو الطابع الملح للمشاورات الصينية الأمريكية حول كوريا الشمالية، علينا اليوم الاستنجاد بجميع المواهب لجيواشينو روسيني - مؤلف “رحلة الى ريمس” - لوضع موسيقى “الرحلة الآسيوية” لدونالد ترامب.
    بين عامي 1972 و2017، كم من التحولات حصلت في توازن العالم، وخاصة التوازن بين الولايات المتحدة والصين، المحطة الاهم في جولة الرئيس الأمريكي الآسيوية.
 
   عام 1972، لم تكن الصين في نفس فئة القوة والولايات المتحدة. فأمريكا نيكسون، على الرغم من غرقها في مستنقع الصراع الفيتنامي الذي توسّع حينها الى كمبوديا، لها منافس فقط، والذي سينهار قريبا على نفسه، الاتحاد السوفياتي.
    كانت الصين ساعتها تحاول الخروج من عزلتها في الوقت الذي تسعى فيه أمريكا لعزل الاتحاد السوفييتي. هذه هي القصة التي التقطها جون آدامز في أوبراه مع خاصة رباعي الأصوات بين نيكسون وماو وكيسنجر وتشو ان لاي الذي شكل قمة المعزوفة.
 
انقلاب التوازن
   عام 2017، انقلب التوازن بين الولايات المتحدة والصين. للصين رؤية استراتيجية طويلة المدى، ولا شيء لأمريكا. هل يجب أن يكون هدف واشنطن توحيد الدول الآسيوية، وخاصة دولها الديمقراطية، لتحقيق التوازن مع القوة الصينية؟ وهل ينبغي، على عكس ذلك، أن تقترب أمريكا من الصين لكي تتقاسم مع بكين عبء مسؤوليات العالم؟
   هل تعني “أمريكا أولا” تصلب العلاقات الاقتصادية مع الصين الذي قد يؤدي، على الرغم من العقود المعلنة بصخب، إلى حرب اقتصادية قد تؤدي بدورها إلى حرب فقط؟ وبعبارة أخرى، هل يجب على أمريكا احتواء الصين، كما فعلت بالأمس مع الاتحاد السوفياتي، أو أنها بعد ان نأت بنفسها عن العمل المتعدد الأطراف، تستسلم لدخول عالم متعدد الأقطاب؟
   شريك، منافس، خصم: تبدو واشنطن غير قادرة على الاختيار بين هذه الاحتمالات المختلفة. والأمر الأكثر خطورة هو أن أمريكا ترامب تبدو عاجزة حتى على تصور الخيارات التي تتاح لها.
   وكان نائب وزير الخارجية لشؤون أوروبا وأوراسيا المعين حديثا أ. ويس ميتشل، قد اصدر مؤخرا كتابا عن الاستراتيجية العظمى لإمبراطورية هابسبورغ، لكنه لن يكون قادرا على تحديد الاستراتيجية الكبرى للرئيس الذي يخدمه، اللهمّ الرغبة في توقيع عقود اقتصادية مربحة على المدى القصير، وإقناع الصينيين ببذل جهد أكبر في المسالة الكورية الشمالية.
 
الثقافة والحضارة
   في المقابل، تتسلّح صين شي جين بينغ برؤية استراتيجية ليست “الصين أولا”، حتى لو كان هذا النوع من القومية موجود بشكل طبيعي، ولكن “الصين هي الأولى”. اذ لم تعد الصين تقتنع بان تكون في مقدمة القوى الآسيوية الأخرى، وقد تحقق هذا الهدف فعلا. إنها تريد اليوم أن تتصدّر العالم، أمام الولايات المتحدة، على الصعيد الاقتصادي والعسكري – لم نبلغ ذلك بعد - ولكن أيضا، وربما خاصة، على المستوى الحضاري والثقافي.
   وامام الانحراف الديمقراطي للولايات المتحدة، لم تعد الصين تشعر بأي احساس بالدونية تجاه العالم الغربي. “لماذا أتعلم منكم؟ عليكم أنتم التعلّم مني من الآن فصاعدا، اقتصاديا وماليا منذ 2007-2008، سياسيا منذ عام 2017 ووصول هذا الرئيس الجديد إلى البيت الأبيض. واليوم، وفقا لدراسة أجراها معهد بيو للأبحاث في الولايات المتحدة، من كندا إلى أستراليا مرورا بألمانيا، فإن المزيد من الناس يثقون في الصين وليس في أمريكا.
   لعل الرئيس ترامب كان سيستلهم أكثر خلال زيارته للصين، لو قام بزيارة المكتبة المستقبلية التي بنيت على شكل عين عملاقة، وافتُتحت في الآونة الاخيرة في مدينة تيانجين. 
   اعجوبة معمارية، تترجم هذه المكتبة الطموح المتناقض لبلد يخاف من الكتاب، ولكنه مع ذلك، يضع الكتاب في قلب مشروعه الثقافي، في مكتبة تصدم بشفافيتها.
   من تصميم مكتب هندسة هولندي، تعتبر مكتبة تيانجين الترجمة الأكثر مثالية للصورة التي تريد الصين أن تعطيها عن نفسها للعالم:
 “حضارة نخبة، واثقة من نفسها ومهيمنة” باستعارة مقولة للجنرال ديغول.
تمرير العصا
   وتؤكد هذه المكتبة، التي تنافس من حيث الحداثة والأناقة، متحف اللوفر في أبوظبي للمهندس الفرنسي جان نوفيل، تؤكد الرسالة التي أرسلتها الصين للغرب عام 2005 خلال معرض نظمته الحكومة الصينية في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن.     وكانت لهذا المعرض، المكرس للفن الصيني في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كقطعة مركزية لوحة كبيرة جدا على النمط اليسوعي الأوروبي لذاك العصر. نرى صفا بلا نهاية لسفراء أجانب، ومعظمهم من الغرب، يصطفون لتعظيم إمبراطور الصين وتحيته. وكانت الرسالة الضمنية للمعرض واضحة وضوح الشمس: “لقد كنتم تجلّوننا بالأمس: استعدوا، سيكون عليكم القيام بنفس الشيء غدا. وها ان كل شيء يحدث كما لو ان هذا الزمن قد حلّ فعلا، وأسرع بكثير مما كان يعتقده او يأمله الصينيون أنفسهم.
   ان رحلة ترامب لآسيا، على عكس رحلة نيكسون الى الصين، لن تبقى في سجلّ التاريخ، غير أنها ستبدو خطوة إضافية نحو تمرير العصا، غير المرغوب فيه من قبل واشنطن، بين الولايات المتحدة والصين.
*كاتب ومستشار خاص في معهد مونتين
 

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      1480 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      1426 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      1289 مشاهده
 ليلة قدر تقود الليالي الطيبة
  20 يونيو 2017        3 تعليق      658 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      60154 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      53887 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      37265 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      36488 مشاهده
أتصل بنا
Independent Political Arabic Daily Newspaper
© 2013 جميع الحقوق محفوظة لجريدة الفجر
تصميم وتطوير Smart Vision