رحلة إلى مدينة فاس .. أرض التاريخ والثقافة الروحية !

13 يونيو 2016 المصدر : •• فاس – د.جمال المجايدة تعليق 18868 مشاهدة طباعة
وصلنا إلى فاس عصرا قادمين إليها من الرباط , كانت المدينة تختبيء وسط جبال أطلس الوسطى، تزينها الغيوم والسماء الصافية في بعض الأحيان , توقفت بنا السيارة بعد طريق طويل وسط الأودية والطرق الملتوية , امام فندق « دي ميرنيين « القابع فوق سفح جبل يطل على مدينة فاس , ياله من مشهد بانورامي يتيح للزائر مشاهدة فاس القديمة من علو شاهق وسط بهاء الطبيعة اللامتناهية.
في اليوم التالي تجولنا برفقة خطاب الطيبي مدير المكتب الإقليمي الوطني المغربي للسياحة لمنطقة الشرق الأوسط ومرشد سياحي مختص في انحاء فاس القديمة التي تمثل المركز الثقافي والديني للمغرب. 
 
لاحظنا أن التناقض الصارخ بين الممرات الضيقة في المدينة القديمة والطرق الواسعة الحديثة التي تحف بها الأشجار في المدينة الحديثة يعتبر تناقضاً مدهشاً للكثيرين. ولعل هذا المزيج من مظاهر القرون الوسطى والمظاهر الحديثة هو ما جعل من مدينة فاس الوجهة السياحية الأولى في المغرب .تعتبر مدينة فاس اليوم من بين أهم وأجمل مدن المغرب وشمال أفريقيا، وهي من المدن القليلة التي تبيع للسياح والزائرين: التاريخ والحاضر. يأتي إليها السياح من أجل المآثر، وكذلك من أجل أمسياتها وسهراتها وأكلاتها وصناعتها التقليدية. 
 
في سهل سايس
 توجد فاس في سهل سايس الغني بمناظره الطبيعية وخيراته الفلاحية، وتبعد عن مكناس بنحو 50 كيلومترا، وعن مدينة الرباط بنحو 170 كيلومترا. تأسست فاس سنة 809 للميلاد (182 للهجرة)، قبل أكثر من 12 قرنا، وشكل هذا التأسيس بداية للحديث عن تاريخ الدولة المغربية، خاصة أنها أول عاصمة عرفها البلد.  وترتبط بداية التأريخ لمدينة فاس بحكاية هروب إدريس الأكبر من المشرق العربي ووصوله إلى منطقة «وليلي»، حيث احتضنته القبائل الأمازيغية.
 
مدينة الأسوار العتيقة!
النقطة المركزية لدخول مدينة فاس المحاطة بسور هي البوابة المعروفة باسم باب جلّود. لا تنسى المرور على مدرسة أبو عنانية الإسلامية ومتحف دار البطحاء وجامع القرويين. لا يسمح لغير المسلمين بالدخول إلى جامع القرويين. إلا أنك حتى في مثل هذه الحالة تستطيع مشاهدة أعمال البلاط الرائع في المبنى والذي يعود إلى القرن التاسع من خلال إمكان النظر في ساحاته.وعند الدخول إلى ساحات جامع القرويين فانه سيكون بمقدورك مشاهدة البلاط الرائع في هذا المسجد الذي يعود إلى القرن التاسع.
 
تمثل زيارة إحدى مدابغ الجلود في مدينة فاس تجربة لا تنسى. لدى زيارتك لإحدى المدابغ ستصعد عدداً من سلالم الدرج حتى تصل إلى سطح تستطيع من عليه إلقاء نظرة على أحواض الصبغ التي يعود إنشاؤها إلى قرون خلت. قد تكون الروائح المنبعثة من هذه الأحواض طاغية ومزعجة بالنسبة لمعظم الأجانب، لذلك فإنه غالباً ما يعطى الزوار عيداناً من النعناع للمساعدة في مواجهة هذا الوضع.
 
بهاء المدينة القديمة 
 تضاء أسوار المدينة القديمة وتحصيناتها ليلاً ويتوجه العديد من السكان المحليين والسياح إلى برج نورد للاستمتاع بإطلالة بانورامية على المدينة. بنيت منطقة المراقبة هذه في القرن السادس عشر لتمكين رجال الحاكم في ذلك الوقت السلطان أحمد المنصور الإبقاء على رقابة دائمة للمدينة ولسكانها. هناك متحف عسكري يكون مفتوحاً أثناء النهار ويضم مجموعة من الأسلحة المغربية من بينها مدفع يبلغ وزنه 12 طناً.المسافة القصيرة إلى المقبرة المرينية التي تعبرها سيراً على الأقدام قد تحول زيارة التحصينات إلى رحلة أكثر حركة ونشاطاً لمدة نصف يوم.
 
 لماذا سميت فاس ؟
يرجح بعض المؤرخين أن تعود التسمية إلى الفأس، الأداة التي استعملت في حفر أساساتها. وإلى سؤال التسمية، تتساءل بعض الكتابات التاريخية إن كان إدريس الثاني هو مؤسس فاس، أم إن التأسيس كان من طرف والده إدريس الأكبر. وفيما يتواصل الجدل بصدد أصل التسمية، ينتهي عدد من الكتابات إلى القول إن البحث التاريخي الحديث يذهب إلى أن إدريس الثاني إنما كان مؤسسا لمدينة ثانية تحاذي المدينة الأولى، التي أطلقها والده، وهي عدوة القرويين التي استقر بها قادمون من مدينة القيروان. وتعتبر فاس، اليوم، ثالث أكبر مدن المغرب، وهي، إلى جانب مكناس والرباط ومراكش، واحدة من المدن الأربع العتيقة بالمغرب.
 
 ويحسب لها أنها ظلت محافظة على نمطها العتيق، من حيث أزقتها وبناياتها وحرفها، ولذلك يردد عشاقها وأهلها أن تاريخ البلد انطلق من فاس وإليها يعود.وتنقسم فاس إلى ثلاثة أقسام: فاس البالي وهي المدينة القديمة، وفاس الجديد وقد بنيت في القرن الثالث عشر الميلادي، خلال فترة حكم أسرة المرينيين، ما بين 1269 للميلاد، وهو تاريخ إطاحتهم بأسرة الموحدين، و1465 للميلاد، وهو التاريخ الذي أطاح بهم فيه الوطاسيون، ثم المدينة الجديدة التي بناها الفرنسيون إبان فترة الاستعمار، الذي عمر في المغرب في الفترة ما بين 1912 و1956. 
ويعتبر عهد المرينيين أزهى مراحل تطور مدينة فاس، إذ قاموا ببناء فاس الجديد، وتحصين المدينة بسور وتخصيصها بمسجد كبير وأحياء سكنية وقصور ومدارس ومارستانات وحدائق.
 
جامع القرويين
ومن بين أبرز ما تشتهر به مدينة فاس جامع القرويين الذي بني عام 857 للميلاد، (245 للهجرة) على يد فاطمة أم البنين الفهرية، التي يقال إنها وهبت كل ما ورثته لبناء الجامع، قبل أن يعمل أهل المدينة وحكام المغرب، على مدى التاريخ، على توسيع المسجد وترميمه والقيام بشؤونه. وتعد صومعة المسجد أقدم منارة مربعة في بلاد المغرب العربي، كما تعتبر جامعة القرويين، التي بنيت كمؤسسة تعليمية تابعة لجامع القرويين، أقدم جامعة في العالم، وقد تخرج فيها ودرّس بها الكثير من العلماء والمفكرين، أمثال موسى بن ميمون، وابن البنا المراكشي، وابن عربي، وابن رشد، والشريف الإدريسي، وابن زهر، وابن آجروم.
 
 ولذلك اشتهرت فاس كعاصمة علمية وروحية للمغرب، وشكلت، على مدى تاريخها، مركزا دينيا وعلميا في شمال وغرب أفريقيا.وتتميز فاس بمعالمها الأثرية التي تؤرخ لتاريخها وحضارتها، من أهمها الأسوار والأبواب بأقواسها ونقوشها. وداخل الأسوار، تتميز المدينة القديمة بوجود بنايات أصيلة ومستشفيات ومساجد وزوايا ومدارس، تعكس تطور تقنيات البناء ومهارات الصناع التقليديين والبنائين، على مدى أكثر من 12 قرنا من تاريخ المدينة، وهي جميعا أمكنة تستهوي الزوار والسياح. وصنفت فاس كتراث إنساني عالمي منذ عام 1981. والمثير في مدينتها العتيقة أن عرض الأزقة فيها لا يتجاوز المتر ونصف المتر.
 
مهرجان فاس للموسيقى 
في مساء اليوم ذاته وعقب انتهاء الجولة الاستشكافية توجهنا الى باب الماكينة التاريخي لحضور فعاليات الدورة ال 22 للموسيقى الروحية العالمية والذي شهدته الأميرة للا سلمي قرينة عاهل المغرب وعدد كبير من الوزراء والفنانين من المغرب واكثر من 20 دولة , ويشكل هذا المهرجان السنوي نقلة نوعية في تنشيط السياحة الثقافية في المدينة حسبما يقول السيد خطاب الطيبي .ويؤكد الطيبي أن مدينة فاس تعرف بعشق أهلها لموسيقى الملحون، كما تشتهر، اليوم، بمهرجاناتها، التي يبقى أشهرها مهرجان الموسيقى الروحية العالمية، الذي ينظم خلال شهر  مايو من كل سنة، كما تعرف بمصنوعاتها التقليدية، خاصة الأزياء التقليدية والمصنوعات الجلدية والخزفية والنحاسية، التي تبرز أصالة وروعة المنتوج التقليدي للمدينة، التي تلخص جانبا من تاريخ وحضارة هذه المدينة الغارقة في التاريخ.
 
وتشتهر فاس بنكهة مطبخها، حيث تتمتع المنطقة بشهرة تتعدى حدودها بفضل تنوع أطباقها، التي ترضي كل الأذواق، ناهيك عن الحفاوة التي يشتهر بها سكان المنطقة.ومن الأطباق التي تميز منطقة فاس، نذكر الطاجين والكسكس والحريرة والمشويات والبسطيلة والحلويات. واستطاعت فاس، منذ تأسيسها، إلى اليوم، أن تجسد مثالا للمدينة ذات الحدائق الفاتنة الجمال، سواء على مستوى الفضاءات الخضراء أو الحدائق التي اعتبرت جزءا أساسيا من المنزل الفاسي، وبالتالي مثلت الفضاء الأمثل للاستراحة بالنسبة للعائلات الفاسية، على مر العصور. 
 
ويوجد بمنطقة فاس عدد من المواقع الاستشفائية الطبيعية، مثل حامة مولاي يعقوب ومنتجع سيدي احرازم، وهما موقعان يشكلان مصدر جذب لعدد كبير من المغاربة والأجانب ممن يضربون عصفورين بحجر واحد: الاستجمام في منطقة فاس والاستشفاء من بعض الأمراض، خاصة الجلدية منها، إلى درجة تحولت معها هذه المواقع إلى موضوع لأمثلة يتناقلها المغاربة، من قبيل (بارد وسخون آمولاي يعقوب). 
 
 
 

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      1260 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      1215 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      1088 مشاهده
 ليلة قدر تقود الليالي الطيبة
  20 يونيو 2017        3 تعليق      606 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      59969 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      53736 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      37162 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      36399 مشاهده

موضوعات تهمك

أتصل بنا
Independent Political Arabic Daily Newspaper
© 2013 جميع الحقوق محفوظة لجريدة الفجر
تصميم وتطوير Smart Vision