المخرج بيدرو ألمودوفار يصر على اقتباس هيتشكوك

Julieta أمهات وبنات يغرقْنَ في جو من الندم

19 مارس 2017 المصدر : تعليق 2099 مشاهدة طباعة
تذكر جولييتا في أحد مشاهد فيلم Julieta أن (ورق الجدران لا يبدو مناسباً جداً) لكنها لطيفة في تقييمها! تبدو الشقة واعدة بما يكفي إلا أن ورق الجدران منفر جداً وفيه نمط مزخرف ومُخطّط بخليطٍ من النيلي والذهبي. ربما يبدو ذلك أنسب لسجادة واحدة لا لشقة كاملة: إنها إهانة بصرية للمستأجرين في الداخل يقابلها منظر مدريد الجميل والمشمس في الخارج. في هذه المرحلة من فيلم الميلودراما المؤثر والمتألق للمخرج بيدرو ألمودوفار، ربما لا توافق على رأي جولييتا فحسب بل إنك ستكتم ضحكتك أيضاً.
 
في فيلم المخرج ألمودوفار Julieta يقيم الرجال والنساء في مساحات صُمّمت بأسلوب جميل كي تستكمل عواطفهم وتضخّمها. حتى الوجود العرضي للمظاهر البشعة أو معالم الفوضى فيه يُعتبر خطيئة مميتة! لكن تتجاوز مراجعه الذاتية حدود الديكور. يطرح الفيلم ميلودراما خريفية سلسة عن أمهات وبنات يغرقْنَ في جو من الندم، ولا يخلو العمل من بصمات هيتشكوك. لا يدّعي Julieta أنه يقدم رؤية لم نشاهدها يوماً في أعمال ألمودوفار.

في الماضي، قيل إن ميريل ستريب كانت ستؤدي دور بطلة القصة وكان العمل حينها ليصبح أول إنتاج يصدره ألمودوفار باللغة الإنكليزية: كان ذلك التعاون الضخم بين أسطورتين ليجذب أنظار الصحافة حتماً ويقدّم دعماً تسويقياً هائلاً يفتقر إليه الفيلم حتى الآن.
 
لكن لا يعكس رفض التجديد في Julieta نقصاً سردياً بل يشكّل جواً مناسباً لهذه القصة التي تتمحوّر فعلياً حول التكرار المتواصل: تُستعمل أنماط متكررة وحتمية من الفرح والحزن وسوء الطالع بين الأجيال ويشير إليها ألمودوفار، عالِم الهندسة المتمرّس في الخسارة والرغبة، بدرجة لافتة من الذكاء والعاطفة.
 
لكنه يرسم الأنماط هذه المرة انطلاقاً من مصدر أدبي فاعل وغير مألوف، فيستوحي أفكاره من ثلاث قصص لأليس مونرو: Chance (فرصة)، Soon (قريباً)، Silence (سكوت). تتمحور القصة حول المرأة الكندية جولييت في ثلاث مراحل من حياتها. تحوّلت (جولييت) إلى (جولييتا) في الفيلم وتؤدي دورها ممثلتان مختلفتان.تبدو أول جولييتا نشاهدها (تؤدي دورها إيما سواريز بأسلوب مؤثر) امرأة لطيفة في منتصف العمر تقيم في مدريد وتوشك على الانتقال إلى البرتغال مع حبيبها لورينزو. لكن يمنعها لقاء عرضي من متابعة مسارها ويعيدها إلى ماضٍ ظنّت أنه أصبح خلفها.
 
في لقطات تسرد أحداث الماضي، نشاهد جولييتا الشقراء الشابة والجامحة تركب قطاراً في ليلة ثلجية حيث تقابل رجلين مختلفين لهما قصتان مترابطتان: الأمر أشبه بدوامة مزدوجة وصغيرة من الموت والرغبة. تقع في نهاية رحلتها في حب كزون (دانيال غراو)، ذلك الصياد الوسيم الذي يقيم على الساحل الجاليكي مع زوجته التي تكون طريحة الفراش ولا يتعرّف إليها المشاهدون.
 
اقتباس هيتشكوك
على مر الأحداث كلها، يصرّ ألمودوفار على اقتباس هيتشكوك ويضيف مع كل مرجع طبقة جديدة من الارتباك. يعيدنا أول مشهد في الفيلم إلى الجو الغامض على سكة الحديد في أفلام Strangers on a Train (غرباء في قطار) و North by Northwest (الشمال في الشمال الغربي) و The Lady Vanishes (اختفاء السيدة)، بينما تشبه إقامة جولييتا المطوّلة على الساحل الجاليكي أحداث فيلم Rebecca، وصولاً إلى شخصية ماريان (روسي دي بالما، مُلهِمة ألمودوفار الدائمة) التي تشبه مدبّرة المنزل، السيدة دانفرز، علماً بأن طباعها تتراوح بين الأسلوب الهزلي والتهديد الحقيقي.
 
براعة لافتة
لا أحد يضاهي براعة ألمودوفار في سرد الأحداث التاريخية وابتكار أعمال الميلودراما في هوليوود. لو أنه أضاف شهرة جولييتا إلى العنوان، لكان أكّد الرابط الروحي الواضح بين هذا العمل وبين فيلمَي Stella Dallas و Mildred Pierce. لا يمكن اعتبار أحاسيس الحزن ووجع القلب جديدة في أعمال المخرج المعروف ببصمته المؤثرة لكن يتميّز الفيلم بطريقة تعامله مع فكرة الخسارة باعتبارها مفهوماً بنيوياً.
 
يُعتبر Julieta تجربة حزينة ومجزأة ويمكن أن نفهم النقص الذي رصده كل من كان يتوق إلى عمل يشبه فيلمَي Volver أو All About My Mother (كل شيء عن أمي) حتى لو لم يعبّر هؤلاء دوماً عن أحاسيسهم. ربما يفتقر الفيلم إلى الجرأة والزخم العاطفي الذي يجب أن تحمله تحفة ألمودوفار الجديدة، لكنه يؤكد إتقان المخرج عمله في كل تفصيل يقدّمه، لا سيما تلاعبه السلس بالزمان ونفحات الكوميديا الذكية وإدارته المتقنة للممثلين... وحتى ورق الجدران المدهش الذي يختاره!
 

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      234 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      314 مشاهده
القرب من أولياء الله والبعد عن أولياء الشيطان
  21 يونيو 2017        5 تعليق      80 مشاهده
 ليلة قدر تقود الليالي الطيبة
  20 يونيو 2017        3 تعليق      128 مشاهده
يوسف جوهرة العقائد السماوية
  16 يونيو 2017        2 تعليق      206 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      59110 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      52978 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      36526 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      35847 مشاهده
أتصل بنا
Independent Political Arabic Daily Newspaper
© 2013 جميع الحقوق محفوظة لجريدة الفجر
تصميم وتطوير Smart Vision