إمبراطورية الظل.. كيف تُمسك «غايسا» بمفاتيح الاقتصاد الكوبي؟

إمبراطورية الظل.. كيف تُمسك «غايسا» بمفاتيح الاقتصاد الكوبي؟

كشفت تقارير أمريكية عن تصاعد الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على كوبا، بالتزامن مع استهداف تكتل «GAESA» العسكري الاقتصادي، الذي يُنظر إليه باعتباره الجهة الأكثر نفوذًا داخل الاقتصاد الكوبي، وسط اتهامات أمريكية بأنه أداة لترسيخ سلطة عائلة الزعيم الكوبي راؤول كاسترو والسيطرة على موارد الدولة. ووفقًا لـ»نيويورك تايمز»، زار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف  كوبا الخميس، حاملاً مطالب تتعلق بإجراء تغييرات اقتصادية وأمنية واسعة.
يأتي ذلك في وقت أعلنت فيه الحكومة الكوبية نفاد احتياطياتها النفطية، وتزامنًا مع تحركات لمدعين فدراليين في ميامي للحصول على لائحة اتهام ضد راؤول  كاسترو تتعلق بتهريب المخدرات وإسقاط طائرات إنسانية عام 1996.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا لتوسيع العقوبات على كوبا بما يستهدف مجموعة «GAESA»، التي قال الأمر التنفيذي إن عائداتها «قد تتجاوز بأكثر من 3 أضعاف ميزانية الدولة».
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال زيارة إلى الفاتيكان الأسبوع الماضي إن «GAESA شركة خاصة تمتلك أموالاً أكثر من الحكومة نفسها»، مضيفًا أن «أيًا من هذه الأموال لا يذهب لبناء طريق واحد أو جسر واحد أو توفير حبة أرز واحدة لأي كوبي خارج دائرة المنتفعين من GAESA» وفق تعبيره.

نشأة «GAESA»
وتعود جذور «GAESA» إلى ثمانينيات القرن الماضي، لكنها توسعت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، عندما فقدت كوبا أكبر شريك تجاري وداعم مالي لها.
وبحسب فرانك مورا، الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي خلال إدارة باراك أوباما، فإن راؤول كاسترو، الذي كان وزيرًا للدفاع آنذاك، أقنع شقيقه الرئيس فيدل كاسترو بالسماح للجيش بإجراء تغييرات على مصالحه الاقتصادية.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، سمح فيدل كاسترو للمؤسسة العسكرية بالسيطرة على قطاعات اقتصادية تديرها الدولة، بينها السياحة، في محاولة لإنقاذ البلاد.
ويقول محللون إن التجربة نجحت في بدايتها؛ إذ أثبت الجيش كفاءة أكبر في الإدارة مقارنة ببقية أجهزة الدولة، وتعافى الاقتصاد الكوبي بحلول أواخر التسعينيات، مع إعادة استثمار أرباح الجيش في دعم المستشفيات والتعليم وبرامج الغذاء الحكومية.
لكن نفوذ «GAESA» اتّسع بشكل أكبر بعد تولي راؤول كاسترو الرئاسة خلفًا لشقيقه عام 2008، وأصبحت المجموعة تشرف على قطاعات واسعة من الاقتصاد الكوبي، كما تمتلك شركات في أنغولا تحقق مئات الملايين من الدولارات سنويًا من مجالات التعليم والرعاية الصحية والبناء وغيرها.
ويقول منتقدون إن «GAESA» تحولت إلى أداة إضافية لعائلة كاسترو لترسيخ سلطتها.
وقال فرانك مورا إن «المؤسسة العسكرية كانت دائمًا الجناح الأكثر براغماتية داخل الثورة، لكن هذا لا يعني أنها تتبنى الانفتاح السياسي»، مضيفًا أن «GAESA مؤسسة اقتصادية بقدر ما هي مؤسسة عسكرية، ولذلك فهي أقل ميلاً لتغيير الوضع القائم ما لم يكن ذلك في مصلحتها».
وتبقى مالية «GAESA» سرية، ولا تظهر ضمن ميزانية الحكومة؛ ما يجعل من غير الواضح ما إذا كانت الدولة تحصل على أي جزء من أرباحها.
وفي عام 2024، أقيلت مسؤولة الرقابة المالية الحكومية بعد 14 عامًا من الخدمة، عقب اعترافها في مقابلة بأنها لا تملك أي معلومات عن مالية «GAESA».
واستخدمت عائلة كاسترو نفوذها داخل المجموعة للحفاظ على قبضتها على الاقتصاد الكوبي؛ إذ عيّن راؤول كاسترو صهره الجنرال ألبرتو رودريغيز لوبيز-كاييخا رئيسًا لـ»GAESA» عام 2011، بعد فترة قصيرة من توليه الرئاسة. وبعد وفاة الجنرال رودريغيز عام 2022، جرى تعيين العميد أنيا غييرمينا لاستريس موريرا، وهي شخصية لا تنتمي لعائلة كاسترو، على رأس المجموعة، لكنها تعرضت لعقوبات أمريكية هذا الشهر.
ورغم ذلك، يشير التقرير إلى أن راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد راؤول كاسترو ونجل رئيس «GAESA» السابق، ما زال يحتفظ بعلاقات مع العميدة لاستريس، ما يرجح استمرار نفوذ عائلة كاسترو داخل المجموعة.
وأظهرت سجلات الطيران أن الاثنين سافرا معًا على متن طائرة خاصة إلى بنما عام 2024؛ إذ سجّلت «GAESA» عدة شركات بهدف الالتفاف على العقوبات الأمريكية، وفق تحقيق أجرته وسائل إعلام محلية.
وبرز راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، المعروف بلقب «إل كانغريخو» أي «السلطعون»، كشخصية رئيسة في المحادثات مع واشنطن، بعدما التقى فريق ماركو روبيو في وقت سابق من العام. كما يشارك أوسكار بيريز-أوليفا فراغا، وهو حفيد شقيق للأخوين كاسترو ويشغل حاليًا منصب نائب رئيس الوزراء ووزير التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي، في تلك المحادثات.
ويرى التقرير أن وجود فردين من عائلة كاسترو على طاولة التفاوض يثير شكوكًا بشأن استعداد النظام للتخلي عن احتكاره الاقتصادي كما تطالب إدارة ترامب.
وفي حين تلقي الحكومة الكوبية باللوم على العقوبات الأمريكية والحظر التجاري في أزماتها المالية، يرى محللون أن استراتيجيات الاستثمار التي تتبعها «GAESA» أسهمت أيضًا في تدهور الاقتصاد.
وقال الخبير الاقتصادي ريكاردو توريس من الجامعة الأمريكية في واشنطن إن «الحكومة تشتكي من الحظر عندما يناسبها ذلك، لكنها في الوقت نفسه تبني الفنادق وكأن الحظر غير موجود».
وبعد الاتفاق الذي أبرمته إدارة  أوباما مع كوبا عام 2015، والذي أعاد العلاقات الدبلوماسية وخفف قيود السفر، راهنت «GAESA» بشكل كبير على قطاع السياحة، متوقعة تدفقًا واسعًا للسياح الأمريكيين.
وفي البداية، نجحت الخطة مع تزايـــــد أعداد الأمريكيين الزائرين للجزيرة، لتدخـــــل «GAESA» في موجــــــة توســـــــع كبيرة؛ إذ ارتفع عــــــدد الفنــــــــادق التـــــــــي بنتها من 56 فندقًا قبل عقد إلى 121 فندقًا بحلول عام 2025، مع إضافــــة 22 ألف غرفـــة جديدة، لكن طفرة السياحة لم تدم طويلاً.
ففي عام 2016، أعاد ترامب فرض العقوبات ومنع السياح الأمريكيين من زيارة الجزيرة، ثم تلقت كوبا ضربة جديدة عام 2020 مع توقف السياحة بسبب جائحة كورونا.
ورغم ذلك، واصلت «GAESA» بناء الفنادق، في وقت أهملت فيه قطاعات أخرى من الاقتصاد.
وبحسب أحدث الأرقام الحكومية، أنفقت كوبا عام 2024 نحو 40% من ميزانيتها على السياحة والضيافة، بما يعادل 1.5 مليار دولار تقريبًا، رغم أن معدلات إشغال الفنادق لم تتجاوز 30%.
كما بلغت ميزانية السياحة نحو 11 ضعفًا لما أُنفق على التعليم والرعاية الصحية مجتمعين خلال العام نفسه، فيما تراجع الإنفاق على التعليم بنسبة 26% مقارنة بعام 2023. وقال مراقبون إن إنفاق الحكومة على السياحة بينما يعاني الكوبيون من نقص الاحتياجات الأساسية يعكس حجم التراجع الذي وصلت إليه الثورة الشيوعية.
وقال ريكاردو توريس: «الدستور الكوبي يقول إن الشعب يملك وسائل الإنتاج، لكن لا توجد أي رقابة على مالية أو قرارات GAESA، ولا يوجد أي إشراف اجتماعي عليها».
وفي العام الماضي، افتتحت «GAESA» فندق «إيبيروستار» الفاخر داخل أطول مبنى في كوبا، حيث يطل الفندق ذو الخمس نجوم على أفق هافانا المليء بالمباني المتهالكة، رغم أن بعض السياح يقولون إن الفندق يبدو شبه فارغ خلال زياراتهم.
وتساءل ريكاردو زونيغا، المسؤول الأمريكي السابق الذي ساعد في التوصل إلى اتفاق أوباما مع كوبا: «هؤلاء العسكريون راكموا أرباحًا ليوم ممطر، لكن كوبا تعيش الآن أكثر أيامها صعوبة، فأين ذهبت أموال GAESA؟».