خشية تموضع عسكري روسي على حدود الناتو.. واشنطن تحذر من وقف حرب أوكرانيا

خشية تموضع عسكري روسي على حدود الناتو.. واشنطن تحذر من وقف حرب أوكرانيا

يتواصل تصاعد القلق في واشنطن، بشأن سيناريو ما بعد الحرب الأوكرانية، وسط تحذيرات أمريكية متزايدة من أن توقف القتال في كييف قد يفسح المجال أمام موسكو لإعادة تموضع قواتها قرب حدود حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ولا سيما في منطقة البلطيق التي أصبحت محورًا رئيسًا للنقاشات الأمنية داخل الكونغرس الأمريكي.
وخلال جلسة استماع عقدتها لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي تحت عنوان «تأمين الجبهة الشرقية للناتو»، أوضح مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون أوروبا، كريستوفر سميث، أن روسيا تدفع حاليًا بما يقارب 90% من قوتها القتالية إلى أوكرانيا.
وأشار سميث إلى أن موسكو ستسعى، في نهاية المطاف، إلى إعادة موازنة قواتها والبحث عن فرص جديدة لإظهار قوتها وخلق معضلات أمنية أمام حلف الناتو، مؤكدًا أن هذا التهديد يبدو أكثر حدة في منطقة البلطيق.
ولم تقتصر التحذيرات الأمريكية على احتمالات التحرك العسكري المباشر، بل امتدت أيضًا إلى ما وصفه عدد من أعضاء الكونغرس بـ»العمليات الهجينة» الروسية، والتي تشمل الهجمات الإلكترونية وعمليات التخريب والضغوط الأمنية الموجهة ضد دول البلطيق.
وفي هذا السياق، قال كيث سيلف، رئيس اللجنة الفرعية لأوروبا في مجلس النواب، إن روسيا بدأت بالفعل بإعادة بناء قواتها، محذرًا من أنه في حال انتهاء الحرب أو تجميدها، فإن هناك خطرًا حقيقيًا يتمثل في تمركز القوات الروسية المخضرمة على حدود جمهوريات البلطيق.
ويرى مراقبون أن هذه المخاوف تستند إلى تقديرات أمنية غربية تتحدث عن قدرة موسكو على إعادة بناء قواتها خلال فترة قصيرة عقب أي هدنة محتملة، مع تركيز متزايد على منطقة بحر البلطيق وممر سوفالكي، الذي يُعد المنفذ البري الوحيد الرابط بين دول البلطيق وبقية أراضي حلف الناتو.
وتزايدت حدة التوترات عقب حادثة دخول مسيرتين أوكرانيتين إلى الأراضي اللاتفية، حيث أصابت إحداهما منشأة نفطية قرب الحدود الروسية، ما دفع قوات الناتو الجوية إلى رفع حالة التأهب.
وتحولت الحادثة إلى أزمة سياسية داخل لاتفيا انتهت باستقالات حكومية، فيما أكدت أوكرانيا أن روسيا تستخدم أنظمة حرب إلكترونية لتوجيه المسيرات نحو أراضي دول الناتو. وفي السياق ذاته، أثار قرار البنتاغون إلغاء نشر آلاف الجنود في بولندا موجة انتقادات داخل الكونغرس، وسط تحذيرات من أن أي تراجع عسكري أمريكي في شرق أوروبا قد يُفسَّر في موسكو باعتباره فرصة لإعادة اختبار جاهزية الحلف.
ومع تصاعد الحديث الأمريكي عن إعادة بناء القوة العسكرية الروسية، واتساع نطاق العمليات الهجينة، وتنامي المخاوف المرتبطة بأمن البلطيق وممر سوفالكي، يبرز تساؤل رئيس حول أسباب اعتقاد واشنطن بأن التهديد الروسي لدول البلطيق لن ينتهي بانتهاء الحرب في أوكرانيا.
وفي هذا الإطار، أكد كارزان حميد، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن التحذيرات الأمريكية المتعلقة بإعادة تموضع القوات الروسية قرب حدود الناتو ترتبط، من حيث توقيتها، بعمليات إعادة انتشار القوات الأمريكية داخل أوروبا، بما يشمل تقليص الوجود العسكري في ألمانيا وإعادة مراجعة التموضع العسكري في بولندا.
وقال حميد، في تصريحات لـ»إرم نيوز»، إن واشنطن تدفع باتجاه رفع مستوى التوتر بين روسيا ودول البلطيق بهدف الحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري داخل أوروبا، معتبرًا أن لاتفيا وليتوانيا وإستونيا تمثل بالنسبة للولايات المتحدة خط دفاع متقدمًا في مواجهة موسكو، بما يضمن استمرار استنزاف روسيا وإبقائها منشغلة بجبهات التوتر المحيطة بها.
وأضاف أن السياسة الأمريكية تعتمد، وفق تقديره، على دفع الأزمات المزمنة نحو مزيد من التصعيد، قبل أن تظهر لاحقًا بوصفها الطرف القادر على إدارة تلك الأزمات واحتوائها، مشيرًا إلى أن التدخلات الأمريكية والغربية لعبت دورًا أساسيًا في الوصول إلى الحرب الروسية ـ الأوكرانية. ولفت إلى أن النهج ذاته يتكرر في ملفات أخرى، من بينها التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، مؤكدًا أن واشنطن تسعى عمليًا إلى إبقاء أوروبا تحت المظلة الأمنية لحلف الناتو، ومنع ظهور أي مشروع دفاعي أوروبي مستقل قد يحد من الاعتماد على الولايات المتحدة.
وأشار حميد إلى أن موسكو لا تخفي طموحاتها الجيوسياسية تجاه محيطها الغربي، لكنها ـ بحسب تقديره ـ لن تتجه، بعد انتهاء الحرب الأوكرانية، إلى فتح جبهات جديدة بصورة مباشرة، في ظل حاجتها إلى سنوات لإعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية.
من جانبه، أكد العميد نضال زهوي، الخبير العسكري، أن منطقة البلطيق تُعد واحدة من أكثر المناطق حساسية في التوازنات العسكرية الأوروبية، بحكم قربها الجغرافي من روسيا وارتباطها المباشر بحلف شمال الأطلسي. وأوضح زهوي، في تصريحات لـ»إرم نيوز»، أن واشنطن تعمل على تضخيم المخاوف المرتبطة بالتحركات الروسية في تلك المنطقة بهدف إعادة ترميم التماسك داخل الحلف، بعد سنوات من الخلافات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، سواء بشأن التمويل أو طبيعة الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا.
وشدد على أن الحديث الأمريكي المتكرر عن استمرار التهديد الروسي بعد انتهاء الحرب الأوكرانية يرتبط بمحاولات إعادة تشكيل البنية الاستراتيجية للحلف، وتبرير إعادة الانتشار العسكري الأمريكي في مناطق الشمال والمحيط المتجمد وغرينلاند.
وأضاف الخبير العسكري أن روسيا، رغم استمرار امتلاكها خطرًا عسكريًا قائمًا، تعاني في الوقت ذاته من حالة استنزاف تجعل من الصعب عليها خوض حرب تقليدية واسعة ضد أوروبا خلال السنوات المقبلة.
وأكد أن تضخيم هذا التهديد يخدم أهدافًا سياسية أمريكية تتعلق بمنع أي تقارب أوروبي ـ روسي بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا، والحفاظ على مركزية الدور الأمريكي داخل حلف الناتو، إلى جانب دفع الدول الأوروبية نحو زيادة الإنفاق العسكري تحت شعار مواجهة الخطر الروسي المستمر.