صراع الأجنحة يهز «التجمع الوطني» الفرنسي

صراع الأجنحة يهز «التجمع الوطني» الفرنسي

يعيش حزب التجمع الوطني الديمقراطي الفرنسي «RN» حالة غير مسبوقة من الترقب والجمود السياسي، بانتظار يوم السابع من يوليو- تموز المقبل، وهو التاريخ الذي حدده القضاء لإصدار حكم الاستئناف في قضية «المساعدين البرلمانيين الأوروبيين».
ولا يقتصر تأثير الحكم المرتقب على تحديد المصير القانوني لزعيمة الحزب اليميني المتطرف مارين لوبان، بل يمتد إلى رسم ملامح معركة الانتخابات الرئاسية لعام 2027، وسط بروز خلافات جوهرية ومكتومة بين لوبان وتلميذها السياسي جوردان بارديلا بشأن الخط السياسي والاقتصادي للحزب.

عدّ تنازلي
 وقلق داخلي
بحسب تقرير نشرته صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية، بدأت كوادر الحزب تفقد صبرها أمام حالة الغموض التي يعيشها «التجمع الوطني». فعلى الرغم من تعيين مدير للحملة الرئاسية، وهو يوليان سانشيز، ووضع ما يُعرف بـ»الأساس المشترك»، فإن التفاصيل الجوهرية المتعلقة بالهيكل التنظيمي للحملة والهوية البصرية وحتى طبيعة الخطاب السياسي لا تزال معلقة بانتظار معرفة من سيقود الحزب في الاستحقاق الرئاسي المقبل.
وأكدت مارين لوبان بوضوح أنها ستسلم الراية إلى بارديلا في حال صدور حكم يمنعها من الترشح، لكنها شددت في الوقت ذاته على أنها لن تتخلى عن هذا الطموح إلا إذا أُجبرت على ذلك بحكم قضائي.

أزمة نظام التقاعد
يبرز ملف إصلاح نظام التقاعد بوصفه أكثر الملفات إثارة للخلاف داخل الحزب في المرحلة الحالية. فبينما تتمسك لوبان بموقفها التقليدي الداعي إلى السماح بالتقاعد بين سن 60 و62 عاماً وفق سنوات الخدمة، بدأ جوردان بارديلا يطرح رؤية مختلفة.
وفي تصريحات أدلى بها لشبكة «LCI» الفرنسية وصحيفة «فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ» الألمانية، لم يستبعد بارديلا إمكانية رفع سن التقاعد، معتبراً أن التركيز يجب أن ينصب على مدة المساهمات وسنوات العمل أكثر من السن القانونية.
وأثار هذا الموقف ردود فعل داخل الحزب، ما دفع لوبان إلى التدخل خلال اجتماع الكتلة البرلمانية والتأكيد مجدداً على الخط الرسمي للحزب. غير أن مراقبين يرون في مواقف بارديلا محاولة للتمايز واستقطاب ناخبي اليمين التقليدي، بل وفتح مسافة سياسية مع الإرث الاقتصادي للوبان، الذي يصفه بعض خصومه بأنه أقرب إلى اليسار الاجتماعي.

ديمقراطية الأجنحة
 أم بوادر انقسام؟
داخل الحزب، تتباين المواقف تجاه هذه الاختلافات. فبينما يرى بعض المسؤولين أن تعدد الآراء يعكس نضج «التجمع الوطني» وتحوله إلى حزب كبير قادر على استيعاب تيارات متعددة، يخشى آخرون من أن يؤدي غياب موقف موحد إلى إرباك المتحدثين باسم الحزب وإضعاف رسالته السياسية أمام الرأي العام.
ونقلت «لو باريزيان» عن أحد كوادر الحزب قوله: «إذا لم تُحسم هذه النقاشات داخلياً، فسنترك القضاة يحسمونها لنا في السابع من يوليو/ تموز». فيما اعتبر مسؤول آخر أن بارديلا «لا يرتكب أخطاء عفوية»، في إشارة إلى أن تصريحاته تمثل اختبارات مدروسة لتمرير توجهات جديدة داخل الحزب.

ما بعد السابع من يوليو 
سواء جاء الحكم لصالح لوبان أو ضدها، يبدو أن مشروع الحزب للانتخابات الرئاسية لعام 2027 لن يكون نسخة مكررة من برنامج عام 2022. فالتحديات المتعلقة بالإنتاجية والابتكار والإصلاح الضريبي باتت تفرض نفسها على النقاشات الداخلية، متجاوزة الملفات التقليدية التي هيمنت على خطاب الحزب خلال السنوات الماضية.
ويؤكد مقربون من بارديلا أن مارين لوبان ستظل صاحبة التأثير الأكبر داخل الحزب حتى في حال مُنعت من الترشح، إذ ستواصل المشاركة في الاجتماعات الاستراتيجية وصياغة التوجهات الكبرى، وهو ما يثير تساؤلات بشأن إمكانية ظهور نموذج «القيادة المزدوجة» داخل الحزب.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأبرز: هل سينجح «التجمع الوطني» في الحفاظ على وحدته الداخلية وتماسكه السياسي حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، أم أن التباينات المتصاعدة حول القضايا الاقتصادية والاستراتيجية ستتحول إلى صراع أجنحة مفتوح يهدد طموحه في الوصول إلى قصر الإليزيه؟