محمد بن راشد: الإمارات تواصل ترسيخ مكانتها وجهةً عالميةً للاستثمار والفرص
باتريوت في قلب المعركة.. روسيا تستنزف درع كييف الجوي
تواجه أوكرانيا مرحلة دقيقة في إدارة دفاعها الجوي بعد الهجمات الروسية الأخيرة على كييف، إذ بات توزيع الصواريخ الاعتراضية على العاصمة والمرافق الحيوية ومراكز القيادة ومخازن الطاقة جزءًا من قرار عسكري يوازن بين كثافة الضربات الروسية وحجم المخزون المتاح، فيما أظهرت ضربات الخامس والسادس من يوليو-تموز أن موسكو تمضي في اختبار قدرة كييف على حماية سمائها تحت ضغط ناري متكرر.
وجاءت الهجمات الأخيرة بعد أيام من ضربة واسعة على العاصمة الأوكرانية، إذ أفادت «رويترز» بأن الضربات الروسية قتلت عشرات الأشخاص في كييف ومحيطها، وكشفت نقصًا متزايدًا في الدفاع الجوي.
في المقابل، نقلت صحيفة «أوكرانسكا برافدا» أن الدفاعات الأوكرانية لم تعترض أيًا من الصواريخ الباليستية التي أطلقتها روسيا في هجوم ليلة الخامس إلى السادس من يوليو-تموز، في مؤشر مباشر على أن المشكلة باتت تتركز في الذخيرة الاعتراضية المخصصة للتهديدات عالية السرعة.
باتريوت في حسابات موسكو
وتشير معطيات مصدر سياسي روسي مقرب من لجنة الدفاع في مجلس الدوما إلى أن صواريخ «باتريوت» أصبحت بندًا ثابتًا في التقدير العملياتي الروسي، مع اعتقاد داخل المؤسسات المعنية بأن قدرة كييف على اعتراض الصواريخ الباليستية تتعرض لضغط متزايد، وأن الجيش الروسي يتابع نمط إطلاق الصواريخ الأوكرانية لتحديد القطاعات التي بدأت فيها القيادة العسكرية تقليل الاستهلاك الاعتراضي حول العاصمة ومنشآت الطاقة ومراكز القيادة.
ووفق حديث المصدر لـ»إرم نيوز»، فإن موسكو تعمل على استثمار نقص «باتريوت» عبر ضربات متقاربة خلال الأيام المقبلة، تقوم على رفع عدد المسيّرات والصواريخ الأقل كلفة لاستنزاف المخزون الاعتراضي الأوكراني، ثم إدخال الصواريخ الباليستية في توقيتات أكثر حساسية، مع تركيز خاص على دفع كييف إلى حماية مواقع محددة وترك مساحات أخرى بمستوى تغطية أدنى، بما يجعل الدفاع الجوي الأوكراني أقرب إلى شبكة أولويات تتحرك وفق كمية الصواريخ المتاحة وطبيعة الهدف الروسي.
وتدعم الوقائع الأخيرة هذا الاتجاه، إذ تحدثت تقارير أوكرانية وغربية عن هجمات جمعت مئات المسيّرات وعشرات الصواريخ، بينها صواريخ باليستية وفرط صوتية، في حين قالت وزارة الدفاع الأوكرانية قبل أيام إن كييف طلبت من نحو 40 دولة شريكة نقل صواريخ «باتريوت» بشكل عاجل من المخزونات القائمة خلال تموز، وربط وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف الحاجة الحالية بصواريخ PAC-3 القادرة على التعامل مع التهديدات الباليستية.
باتريوت وحدود الطمأنة الأوكرانية
ولا يعني ذلك أن الدفاع الجوي الأوكراني انهار، فقد أظهرت الهجمات نفسها استمرار قدرة كييف على إسقاط عدد كبير من المسيّرات وصواريخ كروز، غير أن نقطة الضعف باتت متركزة في الطبقة المضادة للصواريخ الباليستية، وهي طبقة لا تعوضها أنظمة «ناسامز» أو «إيريس-تي» بالفعالية نفسها، لأن وظيفة «باتريوت» هنا تتصل بسرعة الهدف ومسار سقوطه ونافذة الاعتراض الضيقة.
ويرى المحلل السياسي الأوكراني بوهدان بوبوف في تصريحات لـ»إرم نيوز» أن حصر الموقف في نقص «باتريوت» يختزل طبيعة الضغط الذي تواجهه كييف، لأن الهجمات الروسية الأخيرة تضغط على القرار السياسي والمعنوي إلى جانب الدفاعات العسكرية، موضحًا أن القيادة الأوكرانية تسعى إلى حماية المدن الكبرى والحفاظ على تماسك المجتمع ومنع موسكو من تحويل الضربات إلى أداة لإشاعة القلق حول قدرة الدولة على استمرار حماية المدنيين.
ويضيف بوبوف أن الدفاع الجوي أصبح جزءًا من موقع أوكرانيا داخل معادلة الدعم الغربي، مشيرًا إلى أن الرسالة الأوكرانية للحلفاء تركز على سرعة تزويد كييف بالصواريخ الاعتراضية باعتبارها عاملًا يرفع كلفة الهجمات الروسية المقبلة، ويمنع موسكو من تحويل فجوة الإمداد الحالية إلى ضغط سياسي طويل على أوكرانيا وشركائها.
التعهدات الغربية أمام اختبار كييف
فيما يلفت مصدر أوروبي دبلوماسي متابع لملف الدعم لأوكرانيا إلى أن العواصم الأوروبية تنظر إلى أزمة «باتريوت» كاختبار سياسي لصدقية الالتزام الغربي تجاه كييف، موضحًا أن ترك أوكرانيا أمام ضغط باليستي متواصل سيمنح موسكو انطباعًا بأن الدعم الغربي بات قابلًا للاستنزاف، وهو ما تحاول حكومات أوروبية تفاديه قبل أن يتحول إلى رسالة ضعف داخل الحرب وخارجها. ويوضح المصدر الأوروبي أن الاتصالات الجارية بين العواصم الغربية تركز على منع انتقال أزمة الدفاع الجوي إلى أزمة ثقة مع كييف، مشيرًا إلى أن الأوروبيين يدركون أن أي تأخر في سد النقص سيؤثر على حسابات موسكو السياسية، لأن الكرملين يراقب قدرة الغرب على تحويل التعهدات إلى خطوات ملموسة بالسرعة التي تفرضها الهجمات الأخيرة.
وفي المحصلة، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى سباق بين وتيرة الاستنزاف الروسية وسرعة الترميم الغربية، فإذا حصلت كييف على مخزون سريع من PAC-3 ستستعيد جزءًا من قدرتها على حماية العاصمة من الصواريخ الباليستية.
أما استمرار النقص فسيجبرها على تقنين أعمق للدفاع الجوي، وسيمنح موسكو مساحة أوسع لاختبار المدن والبنية الحيوية والهامش السياسي للحكومة الأوكرانية تحت ضغط السماء المفتوحة جزئيًا.