محمد بن راشد: الإمارات مستمرة في تطوير نموذج حكومي عالمي أكثر كفاءة ومرونة واستباقية
بروكسل تتحرك شرقاً.. أوروبا تحاصر نفوذ موسكو بعضوية أوكرانيا ومولدوفا
انتقل مسار انضمام أوكرانيا ومولدوفا إلى الاتحاد الأوروبي من مرحلة الإعلان السياسي إلى أول اختبار تفاوضي فعلي، بعدما وافقت الدول الأعضاء السبع والعشرون مساء الجمعة على فتح مجموعة «الأساسيات» مع البلدين خلال مؤتمرين حكوميين يعقدان في لوكسمبورغ الاثنين. يأتي ذلك في خطوة تمنح التوسع شرقًا وظيفة مباشرة داخل المواجهة الأوروبية مع روسيا وتضع قواعد العضوية تحت ضغط حسابات الأمن والحدود والنفوذ. وأنهى الاتفاق الذي توصل إليه ممثلو الدول الأعضاء في بروكسل فترة تعطيل امتدت منذ إطلاق المفاوضات الرسمية في يونيو-2024، ووضع أداء المؤسسات الأوكرانية والمولدافية تحت مراجعة أوروبية في ملفات القضاء وسيادة القانون والإدارة العامة والرقابة المالية، وهي الملفات التي ستحدد سرعة الانتقال إلى السوق الداخلية والسياسات القطاعية والعلاقات الخارجية.
تسريع المفاوضات
وقال مصدر دبلوماسي أوروبي مطلع لـ»إرم نيوز»، إن ممثلي الدول الأعضاء ناقشوا خلال الاجتماعات التحضيرية جدولًا يتيح فتح المجموعات التفاوضية الخمس المتبقية مع أوكرانيا ومولدوفا تباعًا قبل نهاية العام، موضحًا أن المفوضية طُلب منها إعداد تقييمات مختصرة لكل مجموعة فور اكتمال المتطلبات الأساسية بدلًا من انتظار تقارير التوسع السنوية، بما يسمح للمجلس باتخاذ قرارات متقاربة زمنيًّا إذا لم تظهر اعتراضات سياسية جديدة. ويعني ضغط الجدول التفاوضي أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يشترط استكمال جميع متطلبات الجاهزية المؤسسية قبل الانتقال إلى الخطوة التالية، إذ بات يفصل بين فتح المجموعة واستكمال شروط إغلاقها، بما يسمح لأوكرانيا ومولدوفا بالتقدم داخل المسار مع إبقاء الإصلاحات القضائية والإدارية والمالية تحت مراجعة تمتد طوال المفاوضات.
وكشف المصدر، أن فرنسا وألمانيا وبولندا ودول البلطيق دفعت خلال المشاورات الأخيرة إلى إبقاء أوكرانيا ومولدوفا ضمن مسار واحد رغم تفاوت مستوى الجاهزية بينهما، وحذرت من أن تقدم كيشيناو منفردة سيتيح لموسكو استغلال تعثر كييف والتشكيك في جدية الالتزام الأوروبي بضم أوكرانيا إلى الاتحاد. وأبقى هذا الموقف البلدين ضمن حزمة واحدة طوال فترة الاعتراض المجري التي جمدت الانتقال إلى التفاوض التفصيلي، إذ ربطت غالبية الدول الأعضاء معالجة تحفظات بودابست بالمحافظة على وحدة المسار الشرقي ومنع الخلافات الداخلية في الاتحاد من منح روسيا مساحة أوسع للضغط السياسي داخل أوكرانيا ومولدوفا. وكانت المفوضية الأوروبية أعلنت في نوفمبر الماضي، أن أوكرانيا ومولدوفا استوفتا شروط فتح مجموعات الأساسيات والسوق الداخلية والعلاقات الخارجية، فيما بقي الانتقال الرسمي معطلًا بسبب اعتراض المجر على الملف الأوكراني وارتباط تقدّم مولدوفا به، قبل أن يفضي تفاهم بين بودابست وكييف حول حقوق الأقلية المجرية إلى إزالة آخر حاجز سياسي أمام الإجماع الأوروبي.
مرونة مشروطة
تعيد صياغة العضوية
وأضاف المصدر، أن الدول الداعمة للتسريع قبلت نقل عدد من الشروط من مرحلة افتتاح المجموعات إلى مرحلة إغلاقها، بما يسمح باستمرار المفاوضات قبل استكمال جميع الإصلاحات المطلوبة، وأن هذه الصيغة تشمل الملفات التي أضعفت الحرب قدرة أوكرانيا على تنفيذها والإصلاحات المولدافية المعرّضة لضغط شبكات النفوذ والتمويل المرتبطة بروسيا.
وطلبت الدول المتحفظة مقابل ذلك ضمانات تمنع الأعضاء الجدد من امتلاك قدرة فورية على تعطيل القرارات التي تحتاج إلى الإجماع، مع إبقاء بعض الحقوق السياسية خاضعة لفترات انتقالية وربط استمرار المزايا المالية والتجارية بعدم التراجع في القضاء ومكافحة الفساد واستقلال المؤسسات. من جانبه، قال الباحث في الشؤون الأوروبية طارق وهبة لـ»إرم نيوز» إن التوسع بات جزءًا من سياسة الأمن الأوروبي؛ لأن بقاء أوكرانيا ومولدوفا خارج البنية الغربية يترك حدودهما ساحة مفتوحة للضغط الروسي، مشيرًا إلى أن الاتحاد يستخدم مسار العضوية لربط مؤسسات البلدين واقتصادهما وقرارهما السياسي ببروكسل قبل الوصول إلى العضوية الكاملة، بما يجعل الانضمام أداة لتغيير موازين النفوذ في شرق القارة.
وأضاف أن المرونة الحالية تعكس انتقال الاتحاد من نموذج يطلب اكتمال الإصلاحات قبل التقدم إلى نموذج يقبل إدارة أوجه القصور أثناء الاندماج، موضحًا أن نجاح هذا المسار سيتوقف على قدرة بروكسل على منع الاعتبارات الأمنية من تحويل العضوية إلى قرار سياسي غير محصن بضمانات مؤسسية وقانونية قابلة للاستمرار. وقد تزامن الاتفاق مع إفراج الاتحاد الأوروبي عن دفعة 2.8 مليار يورو لأوكرانيا ضمن آلية الدعم؛ ما يربط تمويل الدولة خلال الحرب بقدرتها على تنفيذ الالتزامات التي تمهّد لانضمامها ويمنح بروكسل أداة مباشرة لدفع التغيير المؤسسي داخل كييف.
التوسع الشرقي
يعيد ترتيب جوار الاتحاد
ويمتد الأثر الجيوسياسي لفتح المفاوضات إلى دول البلقان الغربية التي تخشى أن يدفع الملف الأوكراني الاتحاد إلى تجاوز مرشحين أمضوا سنوات طويلة في انتظار العضوية، لذلك كثفت بروكسل خلال الأسابيع الأخيرة الحديث عن تقدّم الجبل الأسود وألبانيا وعن دمج دول المنطقة تدريجيًّا في السوق ونظام المدفوعات وإلغاء رسوم التجوال. ويحوّل هذا المسار حدود الاتحاد الشرقية إلى جزء من بنية الردع الأوروبية؛ لأن تثبيت أوكرانيا ومولدوفا داخل نظام قانوني ومالي وسياسي تقوده بروكسل يقلص المساحة المتاحة للنفوذ الروسي قبل العضوية الكاملة.
فيما تسمح العضوية المتدرجة للاتحاد بمد مؤسساته شرقًا من دون تحمّل جميع التزامات التوسع دفعة واحدة.