بعد الحديث الروسي عن «الإبادة السوفيتية» .. موسكو تصعَّد خطابها تجاه «الناتو»

بعد الحديث الروسي عن «الإبادة السوفيتية» .. موسكو تصعَّد خطابها تجاه «الناتو»

عادت المواجهة الكلامية بين موسكو وحلف شمال الأطلسي «الناتو» إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة، بعدما رفعت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا سقف التحذيرات الموجهة إلى دول الحلف، مؤكدة أن أي هجوم يستهدف الأراضي الروسية سيقابل بردٍ «حاسم ومدمر».
تصريحات زاخاروفا لم تأتِ بمعزل عن سجال بدأ قبل أيام، خاصة أنها جاءت رداً على على تصريحات هولغر نيومان قائد القوات الجوية الألمانية، بشأن أهداف روسية يمكن أن تكون ضمن خطط «الناتو» العسكرية في حال اندلاع صراع مباشر مع موسكو، من بينها: كالينينغراد، وشبه جزيرة كولا وسان بطرسبورغ، والبحر الأسود. وكان «الناتو»، خلال اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل، أعلن عن مواصلة تحديث قدراته النووية عبر مجموعة التخطيط النووي، وكرَّر مارك روته الأمين العام للحلف رسالته بأن الحرب النووية لا يمكن حسمها ولا ينبغي خوضها.
واتهم سيرغي لافروف، وزير الخارجية أوروبا بالسعي إلى توسيع نفوذها العسكري باتجاه الحدود الروسية والاستعداد لمواجهة مع موسكو بحلول عام 2030، قائلاً إن أي صدام مباشر بين روسيا و»الناتو» قد يحمل مخاطر مرتبطة باستخدام الأسلحة النووية.
كما أعلنت أن موسكو ستسعى إلى الحصول على اعتراف مماثل من الدول الغربية، بالتوازي مع مواصلة الدفاع عن النصب التذكارية السوفيتية الموجودة في عدد من الدول الأوروبية.
ويأتي إحياء هذا الملف التاريخي في وقت تشهد فيه عدة دول أوروبية نقاشات مستمرة حول الرموز السوفيتية، والنصب المرتبطة بالحقبة السوفيتية، حيث تعتبر موسكو أن هذه النصب جزء من إرث الانتصار على ألمانيا النازية.
وبين التحذيرات المتعلقة بكالينينغراد، والنقاشات الغربية حول الردع النووي، والحديث الروسي عن الذاكرة التاريخية، والحرب العالمية الثانية، برز خطاب موسكو، خلال الأسبوع الماضي، باعتباره يجمع بين الرسائل العسكرية، والسياسية، والتاريخية، في آن واحد.
 الردع الديناميكي
وقال الدكتور ميرزاد حاجم، مدير مركز الدبلوماسية الشعبية والخبير في مركز البحوث العلمية والاستشارات التطبيقية في روسيا، إن التصريحات الروسية المتكررة تجاه حلف «الناتو» تندرج ضمن ما وصفه بمفهوم «الردع الديناميكي»، الذي يجمع بين البعد التكتيكي والاستعداد الفعلي للمواجهة.
وأشار لـ»إرم نيوز»، إلى أن موسكو تنظر إلى هذه التصريحات باعتبارها جزءًا من إدارة التوازنات الإستراتيجية مع الغرب، وليس مجرد ردود فعل سياسية مرتبطة بتطورات يومية.
وبيّن الدكتور حاجم، أن الجانب التكتيكي يتمثل في فرض حالة مستمرة من الضغط النفسي والسياسي على العواصم الغربية بهدف إبقائها في دائرة الحذر عند اتخاذ قرارات تتعلق بتزويد أوكرانيا بأسلحة أكثر تطورًا أو توسيع الدعم العسكري المقدم لها.
وأضاف أن موسكو تسعى من خلال ذلك إلى رفع كلفة القرار الغربي، وتقليص احتمالات الانزلاق نحو خطوات تصعيدية إضافية، موضحًا أن الحديث الروسي لا يقتصر على الجانب الخطابي، كما لفت إلى أن التعديلات التي أُدخلت على العقيدة النووية الروسية تعكس استعدادًا عمليًا للتعامل مع التهديدات التي ترى موسكو أنها تمس سيادة الدولة وسلامة أراضيها.
وفيما يتعلق بإحياء الحديث عن الجرائم النازية بحق الشعب السوفيتي، أوضح الدكتور حاجم أن موسكو توظّف هذا الملف لإعادة تأطير الصراع الحالي ضمن إطار وجودي وأخلاقي أوسع، بما يعزز التماسك الداخلي ويقدم الحرب باعتبارها امتدادًا لمعركة تاريخية ضد ما تصفه روسيا بالأفكار الإقصائية.
وأضاف أن هذا الخطاب يساهم في رسم حدود سياسية وأخلاقية جديدة للصراع، ويؤكد أن موسكو تنظر إلى الأزمة الحالية باعتبارها قضية ترتبط بأمنها القومي ومستقبلها الإستراتيجي أكثر من كونها نزاعاً حدودياً تقليدياً.

السيطرة الانعكاسية
من جانبه، قال خبير العلاقات الدولية الدكتور مهند رضوان، إن التهديدات المتكررة الصادرة عن موسكو تجاه حلف «الناتو» تتجاوز إطار الخطاب السياسي التقليدي، وتمثل إحدى الأدوات الرئيسة المستخدمة في إدارة الصراع مع الغرب.
وذكر لـ»إرم نيوز» أن هذه التهديدات تجمع بين الأبعاد التكتيكية والإستراتيجية، إذ تهدف إلى التأثير في عملية صنع القرار داخل الدول الغربية، وإبقاء احتمالات المواجهة المباشرة حاضرة في الحسابات السياسية والعسكرية.

تصعيد روسي جديد
وشدد الدكتور رضوان على أن موسكو تعتمد على ما يعرف بـ»السيطرة الانعكاسية»، من خلال استدامة نبرة التحذير والتهديد بهدف فرض قيود غير مباشرة على طبيعة الدعم العسكري الذي يقدمه الناتو لأوكرانيا، خاصة فيما يتعلق بالأسلحة بعيدة المدى، والقدرات العسكرية المتقدمة.
وأضاف أن احتمالات الحرب الشاملة بين روسيا والحلف تبقى محدودة بفعل توازن الردع النووي، إلا أن الاستعداد الفعلي يتجه بصورة أكبر نحو أدوات الحرب الهجينة التي، تشمل: الهجمات السيبرانية، وعمليات التشويش، والأنشطة المرتبطة بالبنية التحتية الحيوية.
وأكد الدكتور رضوان أن الحديث الروسي المكثف عن «الإبادة السوفيتية» لم يعد مجرد استدعاء تاريخي، بل تحول إلى إطار سياسي وقانوني متكامل، خاصة مع التحركات التشريعية التي تعزز هذا التوجه داخل روسيا.
وأشار إلى أن موسكو تسعى من خلال ذلك إلى بناء سردية تؤكد أنها كانت ضحية تاريخية للفاشية الأوروبية، وهو ما يوفّر لها أساساً سياسياً وأخلاقياً في مواجهة الانتقادات الغربيةالمتعلقة بالحرب في أوكرانيا.
وأضاف الدكتور رضوان أن هذا الخطاب يهدف كذلك إلى إعـــادة رســـــم الخطـــــوط الحمــــــراء أيديولوجياً عبر ربط الدعم الغربي لأوكرانيا بإرث تاريخي تعتبره موســـــــكو معاديــــــاً لها، إلى جانب تعزيـــز الرواية الرسمية داخل روسيا، وتحصينها قانونيًا وسياسيًا.