عفو وإجراءات قضائية ينعشان الآمال بمرحلة سياسية جديدة في فنزويلا
وسط مشاهد غير مألوفة أمام أحد سجون كراكاس، ارتفعت آمال الفنزويليين بإمكان طيّ صفحة طويلة من القمع، بعدما أعلنت السلطات عفوا عن معتقلين سياسيين وإغلاق سجن سيّئ الصيت، في خطوة اعتُبرت مؤشرا على تحوّل سياسي محتمل في البلاد.
وبعد أقل من شهر على إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس نيكولاس مادورو في الثالث من كانون الثاني-يناير بعملية عسكرية في قلب كراكاس، بدت الرئيس المؤقتة نائبة الرئيس السابقة ديلسي رودريغيز ماضية أبعد مما توقعه منتقدون باتجاه قرارات سياسية غير معتادة، بضغط من واشنطن.
هتف أقارب سجناء سياسيين يعتصمون منذ ثلاثة أسابيع أمام سجن روديو 1 في كراكاس «نحن أحرار!» ورقصوا ابتهاجا عند سماعهم إعلان رودريغيز عن عفو عام.
وتظهر مؤشرات عدة صحوة سياسية في البلاد، منها وجود طلاب يعبّرون عن معارضتهم للرئيسة وخروج زعيمة المعارضة ديلسا سولورزانو من مخبئها، وبث محطة تلفزيونية وطنية صورا لزعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو في خطوة كانت محظورة سابقا.
وليل الجمعة، احتفل نحو ستين من أقارب المعتقلين من أمام سجن روديو بإعلان رودريغيز هاتفين «نحن أحرار!».
وقالت زورايدا غونزاليس (64 عاما) متحدثة من هناك «رقصت! شعرت بالحرية، شعرت أن هذا البلد بات حرا! ليس لي وحدي، بل لجميع السجناء السياسيين وللبلاد بأسرها، نشعر بالحرية الآن».
وأضافت «إنه انتقال ديموقراطي. عشنا تحت وطأة القمع لمدة 25 عاما. تعرضنا للاضطهاد والترهيب. ابني بريء، وهو هنا بتهمة لم يرتكبها (...) طالب شاب. كان عمره 23 عاما عندما اعتقلوه، وصديقته مسجونة في إينوف (سجن للنساء) منذ سبع سنوات. اتهمتها (السلطات) بالقضية نفسها».
وأوقف ابنها خلال حملة اعتقالات واسعة النطاق أعقبت محاولة هجوم بطائرة مسيرة استهدفت مادورو عام 2018.
- «انتقال ديموقراطي» -
ورأى النائب المعارض توماس غوانيبا الذي يقبع شقيقاه في السجن أن «هذه بداية عهد جديد من الحرية ونهاية حقبة من القمع».
وأضاف «قبل شهر، من كان يصدق أننا سنشهد ما نشهده اليوم؟ جاءت التغييرات مفاجئة وعنيفة. لعل هذه الأوضاع تقودنا إلى انتقال ديموقراطي».
وما زال نحو 700 سجين سياسي خلف القضبان في فنزويلا، وعمليات الإفراج عنهم محدودة.
وخلال 27 عاما من الحكم، تمكن النهج التشافيزي المستوحى من الفكر الاشتراكي والموروث عن الرئيس الراحل هوغو تشافيز إلى جانب سيطرته الدستورية، من التغلغل في مختلف أجهزة الأمن، والقضاء، والإدارة، ومعظم مفاصل الاقتصاد في هذا البلد النفطي، بحسب محللين.
ورأت ماريا إيزابيل سينتينو خريجة الدراسات الدولية، أن «السياسة الفنزويلية شهدت تحولا جذريا بين ما قبل 3 كانون الثاني-يناير وما بعده»، وهو تاريخ اعتقال مادورو.
وأضافت «فتح الطلاب والمجتمع المدني وعائلات السجناء السياسيين هذه الثغرة الصغيرة، هذه الفتحة التي خففت عنا وطأة الخوف (...) غلبنا الخوف».
من جهته، قال المحلل السياسي بابلو كوينتيرو إن من «السابق لأوانه» استخلاص استنتاجات قاطعة، لكنه رأى أن في ظل الضغط الأميركي «سيصبح ثمن إسكات الرأي المعارض عبر الاضطهاد والسجن باهظا جدا (بالنسبة لرودريغيز)، وسيتشكل تدريجيا فضاء للتعايش والنقد».
- ارتجفوا! -
وقال غييرمو تيل أفيليدو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة متروبوليتان «نشهد، أكثر من مجرد تراجع لدولة الإرهاب، إنه اختبار للحدود في إطار الاستقرار تحت الوصاية الأميركية».
وأضاف «تخضع الحكومة للتقييم والمراقبة، ولذلك يتعين عليها إرسال إشارات إلى الجهات التي تسعى إلى استقطابها».
واستقبلت الحكومة السبت، الرئيسة الجديدة للبعثة الأميركية في فنزويلا المكلفة على ما يبدو تطبيع العلاقات الثنائية المقطوعة منذ العام 2019 بين البلدين.
وأمام سجن زونا 7 في كراكاس، رحبت أليسيا روخاس (65 عاما) التي يقبع زوجها أرنالدو مينديز (57 عاما) في السجن منذ تشرين الثاني-نوفمبر بتهمة الإرهاب، بهذا التقدم.
لكنها شددت على أن «الخوف لا يزال قائما بسبب استمرار الاضطهاد». وقالت «لا أحد يعلم متى قد يبلغ عنه جاره».
وخلفها، على مداخل السجن، برزت رسمة شهيرة لعيني تشافيز مرفقة بعبارة «ارتجفوا أيها الأوليغارشيون! عاشت الحرية».