نشر قوات دنماركية على حدود روسيا يرفع التوتر في البلطيق

نشر قوات دنماركية على حدود روسيا يرفع التوتر في البلطيق

يتصدر الانتشار العسكري الجديد للدنمارك في لاتفيا مشهد التحركات الدفاعية على الجبهة الشرقية لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
يأتي ذلك، في وقت تشهد فيه منطقة البلطيق تراكمًا للملفات الأمنية والعسكرية المترابطة بين روسيا ودول الحلف.
وأعلنت كوبنهاغن نشر كتيبة تضم 850 جنديًا في لاتفيا خلال الخريف، لتحل محل وحدة سويدية كانت تؤدي المهمة نفسها، ضمن آلية تناوب بين الدنمارك والسويد لتوفير كتيبة قتالية كاملة بشكل مستمر، على أن تنضم القوة الدنماركية إلى اللواء متعدد الجنسيات التابع للناتو والمتمركز في قاعدة أداجي.
وقال وزير الدفاع الدنماركي جيبه بروس إن من المهم أن تقوم بلاده بدورها في «ردع روسيا»، مضيفًا أن الجميع يمكنه أن يرى كيف يتطور الوضع، وهو أمر بالغ الجدية.
وجاء التصريح بعد إحاطة مغلقة للبرلمان الدنماركي، حصلت في أعقابها الحكومة على دعم لجنة السياسة الخارجية للمضي في عملية الانتشار العسكري.
وتكتسب الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة القوة المزمع إرسالها، إذ تشمل عسكريين دائمين ووحدة متخصصة في كسح الألغام، إلى جانب تجهيزات قد تضم دبابات «Leopard 2A7» ومدرعات «Mowag Piranha V»، وستتم عملية النقل عبر ميناء ريغا قبل تحريك المعدات إلى مواقع الانتشار الأمامية.
وفي السياق ذاته، حذرت الاستخبارات الخارجية الروسية من أن عضوية لاتفيا في الناتو لن توفر لها الحماية من أي رد روسي محتمل.
وكان الرئيس فلاديمير بوتين قال إن كل الأماكن التي يوجد فيها تهديد عسكري مباشر لروسيا تُعد أهدافًا مشروعة، مؤكدًا أن بلاده لم تكن لديها أي نوايا عدوانية تجاه الدول الأوروبية.
وبين وجود قوات أطلسية إضافية في شرق أوروبا واستمرار الرسائل الروسية المرتبطة بأمن المنطقة، يبقى السؤال المطروح: «كيف ستتعامل الأطراف المختلفة مع المرحلة التالية في منطقة تُعد اليوم من أكثر نقاط الاحتكاك حساسية بين روسيا والناتو؟».

عسكرة أوروبا
أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية د. محمود الأفندي أن «نشر قوات إضافية في دول البلطيق، ومن بينها القوة الدنماركية المرتقبة في لاتفيا، لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع التي تشهدها القارة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة».
وقال في تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز» إن «المؤشرات الحالية، سواء المرتبطة باجتماعات مجموعة السبع أو بالسياسات التي تتبناها دول البلطيق والدنمارك والسويد وفنلندا، تعكس توجهًا واضحًا نحو عسكرة أوروبا في مواجهة روسيا». وأوضح الأفندي أن «المناورات العسكرية المتزايدة والتعديلات الدستورية التي أقرتها بعض الدول الأوروبية بهدف استضافة أسلحة نووية على أراضيها تعزز قناعة موسكو بأن القارة تتحول تدريجيًا إلى جبهة عسكرية موجهة ضدها».
وأضاف أن «خطورة المشهد لا تتعلق بعدد الجنود المنتشرين أو حجم القوات فقط، وإنما بطبيعة السياسات الدفاعية التي تتوسع بوتيرة متسارعة وتدفع نحو مزيد من الاستقطاب بين الجانبين».
وأشار الأفندي إلى أن «استمرار الدعم الأوروبي الواسع لأوكرانيا، بالتوازي مع الزيادات الكبيرة في الإنفاق على الصناعات العسكرية والهندسة الدفاعية، يرفع احتمالات المواجهة المباشرة بين روسيا وأوروبا إلى مستويات غير مسبوقة».
ولفت إلى أن «موسكو قد تلجأ إلى إجراءات عسكرية استباقية ردًا على ما تعتبره استفزازات متواصلة، وأن دول البلطيق والدول المجاورة للحدود الروسية قد تكون في مقدمة المتأثرين بأي تصعيد محتمل».
وأضاف الأفندي أن «الدنمارك قد تواجه بدورها ردود فعل روسية إذا استمرت في الانخراط المتزايد في الملفات العسكرية المرتبطة بالحرب»، معتبرًا أن «ما تشهده أوروبا يمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد الأمن القاري بأكمله، ويقرّب جميع الأطراف من سيناريو صدام أوسع إذا استمر النهج الحالي دون تغيير».

اتساع الصراع
من جانبه، قال  رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار د. عماد أبو الرب إن «قرار نشر قوات إضافية في دول البلطيق يأتي في إطار المخاوف المتزايدة لدى الدول القريبة من مسرح الحرب الروسية الأوكرانية»، مشيرًا إلى أن استمرار القتال وما يرافقه من تصعيد عسكري يفرض على هذه الدول رفع مستوى الجاهزية الدفاعية تحسبًا لأي تطورات مفاجئة.
وفي تصريحات خاصة لـ»إرم نيوز»، أضاف أبو الرب أن «دول البلطيق تُعد من أكثر الأطراف قلقًا من مسار الحرب، في ظل مخاوفها من تعرضها لتداعيات أمنية مباشرة أو غير مباشرة نتيجة استمرار المواجهة بين موسكو وكييف».
وشدد على أن «هذه الدول تنظر بجدية إلى احتمالات اتساع نطاق الصراع، خاصة مع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة ووصولها إلى مناطق قريبة من الحدود الغربية لروسيا».
وأشار أبو الرب إلى أن «التعزيزات العسكرية التي تشهدها المنطقة تحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة، هدفها تأكيد جاهزية هذه الدول للدفاع عن أراضيها وقدرتها على التعامل مع أي تهديد محتمل».
ولفت إلى أن «نشر القوات لا يعني بالضرورة التمهيد لمواجهة مباشرة، بل يندرج ضمن استراتيجية الردع الرامية إلى تقليل احتمالات توسع الحرب، وإرسال إشارات بأن أي تحرك عسكري إضافي ستكون له كلفة مرتفعة».
وأضاف أبو الرب أن «روسيا تواجه بالفعل تحديات اقتصادية وعسكرية مرتبطة باستمرار الحرب، وهو ما قد يجعلها أقل ميلًا للدخول في جبهات جديدة أو توسيع نطاق المواجهة الحالية».
وأشار إلى أن «الحل الأكثر فاعلية يبقى في إعادة إحياء مسار المفاوضات عبر وساطة جادة وإرادة سياسية حقيقية، بما يسمح بتخفيف التوترات وفتح المجال أمام تسوية أكثر استقرارًا للأزمة».