المشيب

المشيب

كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، فظهر لي صدفة بيت الشعر " لا تضحكي يا سلم من رجل، ضحك المشيب في رأسه فبكى" لفتني فتوقفت عنده وبحثت عنه، وهو بيت للشاعر العباسي دعبل الخزاعي، يعبر فيه عن تعجبه من تغير حاله بعدما كسا المشيبُ رأسه، حيث يصور الشاعر أن الشعر الأبيض والذي يعبر عن الزمن، يضحك عليه وعلى زوال شبابه فتضمن استعارة مكنية بتشبيه الزمن بالمشيب وكذلك طباقاً (ضحك، بكى) وجعل الشي غير العاقل(المشيب) يضحك.
في بيتٍ قصيرٍ لا يتجاوز شطرين، يختصر الشاعر تجربة إنسانية كاملة وصورة شعرية عميقة، صدمة الزمن، وخسارة الشباب، واكتشاف أن العمر لا يسير معنا، بل يسير بنا.
هذا البيت ليس غزلاً، ولا شكوى من فراق، ولا حكاية حب، بل هو تأمل وجودي في لحظة من أصدق لحظات الوعي الإنساني، لحظة إدراك أن الزمن انتصر.
يفتتح الشاعر خطابه بنداء امرأة: «يا سَلم».
لكن هذا النداء ليس لإحياء قصة عاطفية، بل هو أسلوب فني معروف في الشعر العربي. فالمرأة هنا:
ليست بطلة قصة حب، بل مخاطَبة رمزية تُمنح من خلالها الفكرة طابعًا إنسانيًا حيًا، بدل أن يقول: يا زمن أو أيها الناس، يقول: يا سلم، فيتحول التأمل الفلسفي إلى حديث ودي دافئ، وكأن الألم يُروى لشخص يسمع، ويرى لا لفكرة مجردة.
«ضحك المشيب برأسه» هنا تتجلى البلاغة في أبهى صورها. الشيب لا يضحك، لكنه صُوّر ككائن ساخر يعلن حضوره. هذا تشخيص بلاغي يجعل الزمن يبدو خصمًا حيًا، لا مجرد مرور أيام، الشباب انتهى والقوة خفت، ولهذا جاء الرد الإنساني الطبيعي هذا البكاء ليس خوفًا من الموت، بل حزنًا على ما مضى:
فكم من أحلام لم تكتمل، وطموحات لم تتحقق، وشباب لم يُعش كما ينبغي.
إنها لحظة إدراك موجعة أن العمر لا يُستعاد، وأن كل يوم يمر هو جزءٌ يغادرنا بلا عودة. 
البيت يطرح حقيقة كبرى بصيغة إنسانية بسيطة: الإنسان يكتشف قيمة الزمن… بعد أن يفقد الزمن، 
الزمن يمر مبتسمًا… ونحن نكبر صامتين.
البيت التالي لا يقل قيمه من البيت الأول "قد كان يضحك في شبيبته فأتى المشيب فقلما ضحكا"، نشرحه في المقال المقبل ، ودمتم بخير.