«الضغط المزدوج».. موسكو تُربك كييف بين «ظلام الشتاء» واستنزاف السلاح

«الضغط المزدوج».. موسكو تُربك كييف بين «ظلام الشتاء» واستنزاف السلاح


مع دخول شتاء 2025 ذروته، عادت موسكو لتفعيل أحد أكثر تكتيكاتها قسوة في الحرب الأوكرانية، والمتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية بالتوازي مع ضرب الصناعات الدفاعية.
ويوصف هذا التكتيك، بأنه استراتيجية «الضغط المزدوج» الهادفة إلى إنهاك الدولة الأوكرانية عسكريًا واجتماعيًا في آنٍ واحد.
وخلال ديسمبر-كانون الأول 2025، صعّدت روسيا هجماتها المركّزة على منشآت الطاقة والمواصلات، بالتوازي مع استهداف مواقع تابعة للمجمع الصناعي العسكري الأوكراني، في محاولة لتعطيل الدعم اللوجستي الغربي وإضعاف قدرة كييف على الصمود، خاصة مع موجات البرد القارس التي تضاعف الأثر الإنساني لأي انقطاع في الكهرباء أو التدفئة.
وقبل أيام، أعلنت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ «ضربة هائلة» باستخدام أسلحة دقيقة بعيدة المدى أُطلقت من البر والجو والبحر، شملت صواريخ «كينجال» الفرط صوتية وطائرات مسيّرة، واستهدفت منشآت طاقة تستخدمها القوات الأوكرانية، إضافة إلى مؤسسات تابعة للمجمع الصناعي العسكري.
ووصفت موسكو الهجوم بأنه رد مباشر على ضربات أوكرانية استهدفت، بحسب الرواية الروسية، أهدافًا مدنية داخل الأراضي الروسية، في رسالة تؤكد ربط التصعيد الميداني بالمعادلة السياسية.
وفي المقابل، رسمت التصريحات الأوكرانية صورة أكثر اتساعًا لحجم الهجمات، إذ أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في اليوم نفسه، أن روسيا أطلقت نحو 500 طائرة مسيّرة و40 صاروخًا متنوعًا باتجاه كييف ومناطق أخرى، مع تركيز أساسي على قطاع الطاقة والبنية التحتية المدنية، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن مئات الآلاف وسقوط مصابين.
ولم تكن تلك الضربة استثناء، فقبلها بأيام تحدث الرئيس الأوكراني عن هجمات «هائلة» شملت أكثر من 600 طائرة مسيّرة و38 صاروخًا استهدفت الطاقة والحياة اليومية للأوكرانيين، مؤكدًا أن الهدف الروسي الواضح هو «تجميد الأوكرانيين» عبر شلّ قطاع الطاقة في أكثر فترات السنة قسوة.
وكشفت التقارير الرسمية الأوكرانية عن أضرار جسيمة لحقت بمحطات طاقة رئيسة، من بينها محطة TPP-5 في كييف، إضافة إلى منشآت في أوديسا ومناطق أخرى.
وتوسّع نطاق الاستهداف ليشمل الموانئ وشبكات السكك الحديدية، في محاولة لتعطيل خطوط الإمداد ونقل المعدات العسكرية وعرقلة تدفق الدعم الغربي، وهو ما يضيف بعدًا استراتيجيًا للهجمات يتجاوز التأثير الإنساني المباشر.

ضغوط متزايدة
ورأى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية د. سمير أيوب، أن «روسيا تواصل ممارسة ضغوط متزايدة على نظام كييف، وكذلك على الدول الأوروبية الداعمة له»، موضحًا أن هذا الضغط يجري على جبهتين أساسيتين: جبهة التفاوض وجبهة الضغط العسكري.
وقال في تصريح لـ»إرم نيوز»، إن «جبهة التفاوض تنطلق من رؤية موسكو بأن حل الصراع يمكن أن يتم على أساس مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من دون إدخال تغييرات جوهرية على بنودها، كونها تأخذ في الاعتبار المصالح والمطالب الروسية».
وأشار إلى أن «روسيا لا تزال تعتبر هذه المبادرة الإطار الأكثر واقعية للحل مقارنة بالمقترحات الأوروبية».
وأوضح أيوب، أن «الجبهة الثانية هي جبهة الضغط العسكري، والتي تنقسم بدورها إلى محورين رئيسين، أولهما استمرار العمليات العسكرية الروسية ضد الجيش الأوكراني على مختلف الجبهات، في محاولة لتحقيق أحد الأهداف الأساسية والمتمثل في إخراج قوات كييف من المناطق التي لا تزال تتمركز فيها داخل مقاطعات دونيتسك وزابوروجيا وخيرسون، بما يساهم في زيادة الضغط على نظام كييف وعلى الدول الداعمة».
وأضاف أن «المحور الثاني من الضغط العسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية الأساسية في أوكرانيا، ولا سيما منشآت الطاقة والمواصلات، التي تشكّل شريانًا حيويًا لإمداد الجيش الأوكراني بالطاقة والدعم اللوجستي القادم من الغرب».
ولفت أيوب، إلى أن «استهداف مراكز الطاقة لم يكن مطروحًا بقوة في العقيدة العسكرية الروسية سابقًا، إلا أن وتيرة هذه الضربات تصاعدت مؤخرًا مع استخدام صواريخ أكثر تدميرًا».
وبيّن أن «هذا التصعيد جاء ردًا على محاولات نظام كييف استهداف ناقلات النفط ومنشآت الطاقة الروسية، في مسعى للضغط على موسكو وإجبارها على التراجع عن بعض مطالبها ضمن المبادرة الأمريكية»، غير أنه شدد على أن هذا الرهان الأوكراني لم يحقق أهدافه، في ظل إصرار روسيا على مواصلة عملياتها.
وأكد أن «موسكو باتت تركز بشكل واضح على السيطرة الكاملة على إقليم دونباس وإخراج ما تبقى من القوات الأوكرانية منه، خاصة أن القوات الروسية أصبحت قريبة جدًا من تحريره بشكل شامل»، لافتًا إلى أن روسيا لم تعد واردة اليوم في الانسحاب من أي أراضٍ سيطرت عليها.
وأشار إلى أنه في مراحل سابقة، وضمن مبادرة ترامب، كان من الممكن الحديث عن تبادل بعض الأراضي، إلا أن هذا السيناريو بات غير مطروح في حال تمكنت روسيا من تحرير إقليم دونباس بالكامل بالقوة العسكرية.
ولفت إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يبدو مصرًّا على زيادة زخم العملية العسكرية، في رسالة تعكس ثقته بقدرات الجيش الروسي على استعادة كامل الأراضي المستهدفة، وربما التقدم نحو مقاطعات أخرى.

«فشل روسي»
من جهته، رأى الخبير في الشؤون الأوكرانية محمد العروقي، أن «هذا التصعيد الروسي يعكس فشل القوات الروسية خلال عام 2025 في تحقيق مكاسب ميدانية جدية على الأرض، ما دفع موسكو إلى اللجوء إلى أساليب ضغط أخرى تستهدف بالدرجة الأولى المدنيين.
وقال العروقي في تصريحات لـ»إرم نيوز»، إن «هذه العمليات تهدف إلى التأثير على الرأي العام الأوكراني وزيادة الضغط على السلطات السياسية لدفعها نحو تقديم تنازلات».
وأشار إلى أن «الهدف الروسي الأساسي يتمثل في دفع أوكرانيا للتنازل الكامل عن إقليم دونباس، لكن أوكرانيا لا تزال صامدة في مواجهة هذه الضغوط المتزايدة، سواء على المستوى العسكري أو الشعبي».
وأضاف العروقي، أن «عام 2025 أثبت استمرار صمود أوكرانيا، رغم تسجيل روسيا بعض التقدم المحدود بوتيرة بطيئة للغاية وبكلفة عالية».
ورأى أن «كييف لا تنوي التنازل عن دونباس بسهولة، رغم إدراكها أن روسيا تمتلك القدرة العسكرية على احتلال الإقليم، إلا أن ذلك يتطلب سنوات طويلة».
ولفت العروقي، إلى أن «أوكرانيا تراهن على عامل الوقت وعلى إمكانية تغير المعطيات السياسية والعسكرية، مع استمرار الهجمات الروسية وربما تصاعدها بشكل أكثر عنفًا في غياب تسوية».