«براديري ليل».. سوق شعبي يتحول إلى ساحة انتخابية مبكرة في فرنسا

«براديري ليل».. سوق شعبي يتحول إلى ساحة انتخابية مبكرة في فرنسا


تحوّلت «براديري ليل»، أكبر سوق للبيع الشعبي في أوروبا، إلى محطة سياسية لا تقل أهمية عن أي تجمع انتخابي رسمي في فرنسا.  غابرييل أتال، ومارين تونديلييه، وجان-لوك ميلانشون، ومعهم شخصيات حزبية أخرى، تجوّلوا بين 5000 كشك للبيع وموائد بلح البحر والبطاطس المقلية التقليدية، في أول اختبار ميداني كبير قبل رئاسيات 2027. 

أتال: «لن أترك
 أي أرض لأحد»
وبحسب صحيفة «20 مينت» الفرنسية افتتح غابرييل أتال، الأمين العام لحزب «نهضة» والمرشح الرئاسي، جولته بإفطار مع مؤيديه قبل التجول بين الأكشاك، متنقلًا بين السيلفي والأحاديث العفوية مع الزوار.
وصرّح لـ»فرانس إنفو» بحزم: «بصراحة، فكرة أن هناك أرضًا يجب تركها للآخرين، هذا عكس ما أؤمن به تمامًا. قلت هذا منذ بداية حملتي، أنا لن أترك أي أرض للآخرين. على الأقل بالتأكيد ليس للتجمع الوطني ولا لفرنسا الأبية»، وفق تعبيره. 
ونقلت «فرانس 24» عن زائر من بلدة لوس المجاورة، أن مشاركة آتال جاءت كـ «تحفيز الناس على التصويت، والتحدث مجددًا مع الشعب، وقبل كل شيء عدم تكرار تجربة إيمانويل ماكرون»، فيما لم تخلُ جولة آتال من الفكاهة أيضًا، إذ ناداه أحد بائعي السوق ضاحكًا: «أنت قصير القامة! تبدو أطول على التلفاز!». وبالنسبة لإدوار فيليب، أكد آتال أن الاتحاد «سيأتي في وقته، أي بداية 2027»، رافضًا فكرة انتخابات تمهيدية في يمين الوسط. كما هاجم موقف «التجمع الوطني»، اليمين المتطرف، من أوكرانيا بعد اقتراح الحزب «قطع الصنبور» عن الدعم لكييف، ووصفه بـ»المذهل».

 «لوبان حصان طروادة»
قالت «لوموند»، إن مارين تونديلييه، الأمينة الوطنية لحزب «الخضر»، وصلت إلى السوق بقطار محلي، ووقفت أمام الكاميرات لتقول: «التجمع الوطني يُظهر وجهه الحقيقي. بالنسبة لهم، احتمال انتصار روسيا في أوكرانيا ليس مشكلة، بل هو بالضبط ما يسعون إليه، إنه تحالفهم الطبيعي في هذا الصراع». 
وأضافت مستشهدة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب والملياردير إيلون ماسك بالاسم: «مارين لوبان هي حصان طروادة الخاص بهم».
كذلك نقلت «فرانس
 إنفو» عنها تأكيدها أنها لا تسعى لتقليد أفكار أحد المرشحين: «أعتقد أنه ليس لديهم ما يبيعونه وليس لديّ ما أشتريه، لدي 
بالفعل برنامجي، كل شيء على ما يرام. لن آخذ أفكارًا مُخفّضة السعر رغم كل شيء. لدينا 16 شريكًا سياسيًا وعلاقات ممتازة معهم جميعًا». ووفق «لوموند»، عرض عليها أحد الباعة تنورة خضراء وتمثال بقرة من البورسلين خلال جولتها.

ميلانشون.. خطاب اقتصادي بلا مصافحات
بالنسبة لحضور زعيم «فرنسا الأبية» جان-لوك ميلانشون، للعام الثاني على التوالي، فقد وصفته «سود ويست» و»فرانس 24» بأنه كان مختلفًا تمامًا عن أسلوب منافسيه: لا تجول بين الأكشاك ولا مصافحات مع المارة، بل خطاب لمدة ثلاثة أرباع الساعة أمام حشد قدّرته «فرنسا الأبية» بـ12 ألف شخص عند سفح برج بلدية ليل، حيث حقق الحزب اختراقًا لافتًا في الانتخابات البلدية الأخيرة بحصوله على 33.7% من الأصوات في الجولة الثانية. وقال ميلانشون: «الأسعار ترتفع، في بلد يوجد فيه بالفعل تسعة ملايين شخص يتلقون مساعدات غذائية»، متعهدًا: «إذا فزنا بهذه الانتخابات، سنبدأ فورًا في ضمان أن يأكل جميع أطفال فرنسا مجانًا في المقصف المدرسي العضوي». كما اقترح تجميد   الأسعار والإيجارات، ورفع الحد الأدنى للأجور و»جميع الأجور المتوسطة»، ووعد في «فترات استثنائية» بـ»إعادة السلم المتحرك للأجور» أي ربط الأجور بالأسعار تلقائيًا.
من جهتها ذكرت «لوموند» أنه في خطابه، وهو الثالث له خلال عشرة أيام، لم يتطرق إطلاقًا                                             لنقاشات التحالف داخل اليسار، فيما لخّصت مناصرة شابة الأمر بجملة: «اتحاد ماذا مع من؟ لسنا بحاجة لأحد سواه». كما أعاد التذكير باقتراحه المثير للجدل بشأن «حرق» جزء من الدين العام الذي يحمله البنك المركزي الأوروبي، موضحًا: «قلنا الدين لدى البنك المركزي الأوروبي، لا الدين لدى المُقرضين الخاصين الآخرين». 
وبجانب هؤلاء حضر جيروم غيدج، نائب مقاطعة إيسون والمرشح للانتخابات التمهيدية الاشتراكية، إلى جانب عمدة المدينة الاشتراكي أرنو ديلاند، للترويج للتمهيدية ومحاولة تمييز موقفه، قائلًا: «بالطبع يجب النقاش مع البيئيين، لكن عليهم أن يعرفوا أين ينتمون. إذا فضّلوا تحالفًا مع اليسار الراديكالي، فهذا حقهم، وسيكون ذلك أيضًا لحظة توضيح».

هتافات وانتقادات 
من اليمين المحلي
في المقابل أشارت «20 مينت» إلى أن إعلان حضور ميلانشون للعام الثاني على التوالي أثار انتقادات مسبقة داخل يمين ليل المحلي. 
واستنكر لويس دولومير، مرشح حزب «الجمهوريين» الذي خسر الانتخابات البلدية بنسبة 8.46% من الأصوات، إقامة «تجمع سياسي حقيقي» في قلب السوق، معتبرًا أن «هذا ليس المكان ولا الوقت المناسبين». 

شهادات من الشارع.. «
نشعر أننا تائهون»
نقلت «لوموند» شهادات من زوار السوق تعكس القلق السياسي السائد. قالت الطالبة مود بيلان، التي استقبلت تونديلييه أمام كشكها: «مع أصدقائي، نشعر جميعًا بأننا تائهون قليلًا. نشعر أننا قد نُصوّت بطريقة مختلفة عن اختيارنا الحقيقي»، معربة عن قلقها من «احتمال» فوز التجمع الوطني. 
أما كيليغ فوازان، الأمينة الوطنية المشاركة لـ»شباب البيئيين»، فأوضحت لـ»لوموند»: «نريد اتحاد كل اليسار»، لكنها حددت حدود هذا التمني: «لن أدعم ترشح رافائيل غلوكسمان «مؤسس حزب «بلاس بوبليك»، هذا خط أحمر وضعناه لأنفسنا. ولا ترشح فرانسوا هولاند «الرئيس الاشتراكي السابق».
يوم واحد في براديري ليل كشف عن خريطة اليسار واليمين الفرنسي قبل 8 أشهر من الاستحقاق الرئاسي: أتال يُصرّ على معركة ميدانية مباشرة مع الناخبين، وتونديلييه تُراهن على وحدة يسارية تبدو هشة، وميلانشون يُحوّل السوق الشعبي إلى منصة خطابية بأسلوبه المعتاد. 
وبينما يتغيب التجمع الوطني ومارين لوبان عمدًا عن هذا الموعد مفضلين تجمعهم الخاص في هينان بومونت بعد أسبوع، يبقى حضور الحزب طاغيًا في كل نقاش، ولو من خلال تصريحات نوابه عن أوكرانيا التي أشعلت جدلًا واسعًا بين أكشاك «براديري ليل».