«ضبط معادلة الردع».. مرحلة جديدة من سباق الصواريخ بين روسيا وأوكرانيا

«ضبط معادلة الردع».. مرحلة جديدة من سباق الصواريخ بين روسيا وأوكرانيا


تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من سباق الصواريخ، مع إعلان كييف تسلّم منظومتين إضافيتين من طراز باتريوت ونشرهما فعليًا؛ لحماية المدن والبنية التحتية الحيوية، وذلك تزامنًا مع محاولة أوكرانيا إعادة ضبط معادلة الردع ومواجهة الهجمات الصاروخية الروسية المكثفة. 
الإعلان الأوكراني، الذي أشاد بالدور الألماني في تسهيل التسليم، يأتي في توقيت تشهد فيه الجبهات تصعيدًا متبادلًا، بالتوازي مع حديث متزايد عن مسارات تفاوضية محتملة برعاية أمريكية وأوروبية. ومن الناحية العملية، توفر باتريوت قدرة أفضل على اعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وتمنح أوكرانيا هامشًا أوسع؛ لحماية منشآت حيوية، ومراكز حضرية كبرى.
ووفقًا للمراقبين، فإن هذه الخطوة رغم أهميتها، لا ترقى إلى تغيير جذري في ميزان القوى، في ظل امتلاك موسكو ترسانة متطورة من الصواريخ الفرط صوتية، وقدرتها على تنفيذ هجمات إشباعية ترهق أي منظومة دفاعية.
ومن الناحية السياسية، تعكس الصفقة استمرار الرهان الغربي على دعم أوكرانيا دون الانخراط المباشر في الحرب، كما تبرز دور ألمانيا كلاعب محوري في إعادة توزيع منظومات باتريوت داخل أوروبا، مقابل حصولها على الجيل الأحدث من الولايات المتحدة.
وفي المقابل، يبدو أن موسكو تنظر إلى هذا التطور باعتباره تصعيدًا مدروسًا، لكنه لا يفرض عليها تغيير إستراتيجيتها الهجومية. الخبير العسكري، العميد نضال زهوي، قال إن منظومة باتريوت لم تعد تواكب طبيعة التهديدات الحديثة في ميادين القتال، موضحًا أن هذه الصواريخ باتت من المنظومات القديمة نسبيًا، ولا تمتلك السرعة الكافية للتعامل مع الصواريخ المتطورة. وأكد في تصريحات لـ»إرم نيوز» أن أقصى سرعة لصواريخ باتريوت لا تتجاوز 3 ماخ، وهي سرعة لا تسمح إلا باعتراض أنواع محدودة من المسيّرات أو بعض الصواريخ الروسية القديمة، خاصة قصيرة المدى. وأشار زهوي إلى أن القاعدة العسكرية المعروفة تشترط أن تكون سرعة الصاروخ الاعتراضي أعلى من سرعة الهدف المهاجم، وهو ما لا يتحقق في حالة باتريوت أمام التهديدات الحالية.  ولفت الخبير العسكري إلى أن المنظومة قد تنجح، أحيانًا، في اعتراض صواريخ تطلق من راجمات قديمة، أو التعامل مع طائرات قديمة مثل ميغ 21، وميغ 23، لكنها تبقى غير قادرة على مواجهة الصواريخ والطائرات الحديثة. وأوضح أن الصواريخ الباليستية الروسية المستخدمة، حاليًا، تنتمي إلى فئة الصواريخ الفرط صوتية، وتصل سرعتها إلى نحو 11 ماخ، متسائلًا عن جدوى محاولة اعتراضها بصواريخ لا تتجاوز سرعتها 3 ماخ.
وأضاف أن الاعتماد على هذه المنظومة يبدو أقرب إلى استنزاف اقتصادي للدول الأوروبية، أكثر من كونه حلًا عسكريًا فعليًا، خاصة في ظل التكلفة المرتفعة لصواريخ باتريوت مقارنة بطبيعة الأهداف التي يتم اعتراضها أحيانًا.
وأكد الخبير العسكري أن تطور الصواريخ الهجومية يفرض البحث عن منظومات دفاعية أحدث وأكثر فاعلية. 
من جانبه، ذكر الأكاديمي والدبلوماسي المتخصص في شؤون أوروبا الشرقية، د. ياسين رواشدي، أن التصعيد العسكري الحالي يتزامن مع تزايد الحديث عن مفاوضات سياسية محتملة بين أوكرانيا وروسيا، برعاية أمريكية وأوروبية.
وأشار إلى أن هذا التصعيد يعد سلوكًا متوقعًا مع اقتراب أي مسار تفاوضي، حيث يسعى كل طرف لتحسين موقعه التفاوضي عبر الميدان.
وأضاف في تصريحات لـ»إرم نيوز» أن اللافت في المشهد الحالي هو غياب ضغط حقيقي من الوسطاء، لا سيما الولايات المتحدة؛ لدفع الأطراف نحو تهدئة تمهيدية تشجع على الدخول في مفاوضات جادة.
ورأى رواشدي أن استمرار العمليات العسكرية، خاصة من الجانب الأوكراني، يهدف إلى إثبات أن كييف ليست الطرف الأضعف، وأنها قادرة على الصمود، وفرض حضورها في أي مسار تفاوضي مقبل.
وأشار إلى أن التحركات العسكرية الأوكرانية تحمل أبعادًا تكتيكية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، في ظل سعي موسكو إلى فرض روايتها السياسية والعسكرية. 
وأكد رواشدي أن الملف الأوكراني يعد من أكثر الملفات الدولية تعقيدًا؛ نتيجة تشدد روسيا، وعدم تقديمها تنازلات نوعية حتى الآن.
وقال إن مفاوضات غير معلنة تجرى، حاليًا، على مستوى الخبراء بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، بالتوازي مع تنسيق مستمر بين كييف والدول الأوروبية.
ولفت رواشدي إلى أن ضمانات الأمن والدعم العسكري الأوروبي تمثل نقطة محورية في أي حل سياسي محتمل؛ لضمان عدم انهياره مستقبلًا.
وتوقع أن تكون المفاوضات المقبلة شاقة ومعقدة، مؤكدًا أن الرهان على حل سريع لا يعكس واقع الأزمة، رغم بقاء جميع السيناريوهات مفتوحة.