«عودة محسوبة».. خريطة تشرح مسار اليابان نحو إحياء الطاقة النووية
مع استعداد اليابان لإعادة تشغيل مفاعل كاشيوازاكي-كاريوا في محافظة نيغاتا الساحلية، أكبر مفاعل نووي في العالم، تدخل البلاد مرحلة جديدة في سياسة الطاقة النووية بعد عقد ونصف من كارثة فوكوشيما دايتشي العام 2011. تلك الكارثة، الناتجة عن تسونامي أدى إلى انصهار نووي في المحطة، كانت الأسوأ منذ تشيرنوبيل، وأجبرت اليابان على إغلاق جميع مفاعلاتها البالغ عددها 54 في جميع أنحاء البلاد. تمثل إعادة التشغيل المخطط لها، في يناير 2026، أول عملية تشغيل لمفاعل نووي منذ تلك الحادثة، مع استئناف تشغيل واحد من أصل 7 مفاعلات في نيغاتا بعد موافقة الحكومة المحلية، وفق مجلة «نيوزويك». حاليًا، تعمل اليابان بـ 14 مفاعلًا نوويًا موزعة على 8 محطات في هونشو وشيكوكو وكيوشو، بينما تنتظر 10 مفاعلات أخرى، بما في ذلك مفاعل في هوكايدو، الموافقة على إعادة التشغيل، فيما لا يزال مصير مفاعلين آخرين غير واضح. دفع ارتفاع تكاليف الكهرباء الناتجة عن الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري المستورد، إضافة إلى تعزيز اللوائح الخاصة بالسلامة، إلى انتعاش الدعم الشعبي للطاقة النووية تدريجيًا.
وبحسب استطلاع حديث لوكالة جيجي برس شمل 2000 شخص، فإن 44.7% من اليابانيين يؤيدون استئناف تشغيل المفاعلات، مقابل 26% يعارضون ذلك، ما يعكس تباينًا في الرأي العام رغم المخاطر الملحوظة.
مخاطر زلزالية
إعادة تشغيل المفاعل تأتي وسط تحذيرات تتعلق بالسلامة، لا سيما في محطة هاماأوكا التابعة لشركة تشوبو إلكتريك في محافظة شيزوكا، القريبة من خندق نانكاي المائي المعروف بالنشاط الزلزالي.
كشفت هيئة تنظيم الطاقة النووية اليابانية عن «مخالفات» في البيانات الزلزالية التي قدمتها الشركة، ما يثير القلق بشأن قدرة المحطة على مواجهة زلزال محتمل يُقدر أن يودي بحياة نحو 298 ألف شخص ويتسبب بأضرار تصل إلى تريليوني دولار. يظل القلق الشعبي ملموسًا، فقد عبّر هيديو هانازومي، حاكم نيغاتا، عن شعور السكان بعدم الثقة تجاه المشغلين، مع استمرار المخاوف من المخاطر البيئية. رغم ذلك، يؤكد المسؤولون الحكوميون والشركات أن استخدام الطاقة النووية أمر ضروري لتحقيق الاكتفاء الذاتي للطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي دافعت عن إعادة تشغيل المفاعلات، مؤكدة أنها جزء من إستراتيجية أكبر تهدف إلى تطوير تقنيات الطاقة النووية المتقدمة، بما في ذلك الجيل الجديد من المفاعلات وطاقة الاندماج النووي، مع مراعاة الآثار البيئية والمجتمعية.
وقالت خلال خطاب أمام البرلمان الوطني في أكتوبر: «ستعتمد هذه المبادرات على فهم المجتمعات المحلية وإيلاء الاعتبار الواجب للتأثيرات البيئية… وسنسعى إلى التبني العملي المبكر لهذه التقنيات المتقدمة». تستهدف اليابان أن تولد حوالي 20% من كهربائها من الطاقة النووية بحلول عام 2030، مقارنة بحوالي 30% قبل كارثة فوكوشيما.
ويُنظر إلى هذا الانخفاض كجزء من توازن بين المخاطر الشعبية والاعتماد على مصادر طاقة منخفضة الكربون، إلى جانب تعزيز الأمن الطاقي في ظل محدودية الموارد الطبيعية المحلية. شركة طوكيو للطاقة الكهربائية (تيبكو)، المشغلة لمحطة فوكوشيما دايتشي، تسعى لاستئناف تشغيل المفاعل كجزء من إستراتيجيتها لتأمين الكهرباء بتكلفة أقل، مع تقليل الاعتماد على النفط والفحم المستورد. وأوضح توموكي كوباياكاوا، رئيس تيبكو، أن «استخدام الطاقة النووية أمر ضروري في اليابان، التي لديها موارد قليلة». مع ذلك، يظل النجاح مرتبطًا بقدرة الحكومة والمشغلين على تعزيز ثقة السكان والمجتمع المحلي، بالإضافة إلى ضمان تطبيق صارم لإجراءات السلامة. وبينما يشير الدعم الشعبي المتزايد إلى قبول متجدد للطاقة النووية، فإن أي إخفاق في إدارة المخاطر الزلزالية أو الفشل في الشفافية قد يقوض جهود اليابان لتحقيق أمنها الطاقي واستقرارها الاقتصادي.
تمثل إعادة تشغيل مفاعل كاشيوازاكي-كاريوا اختبارًا عمليًا لسياسة الطاقة اليابانية، إذ ستختبر قدرة الحكومة والشركات على الموازنة بين الأمن النووي، التكاليف الاقتصادية، والمخاوف الاجتماعية، في خطوة تمثل منعطفًا مهمًا بعد عقد ونصف من التغيير الجذري في المشهد النووي الياباني.