«مزقت دستور السلام».. كيف تحولت إلى قوة هجومية ضد التنين الصيني؟

«مزقت دستور السلام».. كيف تحولت   إلى قوة هجومية ضد التنين الصيني؟


في غضون أقل من 5 سنوات، تحولت اليابان الدولة التي اشتهرت لعقود طويلة بكونها رمزاً لـ»دستور السلام» إلى قوة عسكرية صاعدة بوتيرة مذهلة.
فلم تعد طوكيو تكتفي بالدفاع عن جزرها بل أصبحت تبني قدرات هجومية، وتصدر أسلحة، وتربط تحالفات دفاعية جديدة، لتضع الصين صراحة في مرمى التهديد الاستراتيجي الأول.
الآن، وبعد أن أثارت رئيسة الوزراء الجديدة ساناي  تاكايتشي غضب بكين بتصريحاتها النارية حول تايوان، تترقب المنطقة بأكملها فيما لو كان بمقدور اليابان الاستمرار في هذا الاندفاع العسكري والاقتصادي بمفردها، أم أن اللحظة الحاسمة تتطلب من واشنطن أن تقرر إما تعميق التحالف ومشاركة العبء، أو المخاطرة بترك حليفها الأقوى في المحيط الهادي يواجه التنين الصيني وحده.
في نوفمبر الماضي، وبعد فترة وجيزة من توليها المنصب، أعلنت تاكايتشي أمام البرلمان أن هجوماً صينياً على تايوان قد يشكل تهديداً وجودياً لليابان، وقد يبرر رداً عسكرياً. بالنسبة لبكين، التي ترى في أي التزام بدعم تايوان استفزازاً مباشراً، ردت بتكثيف مناوراتها العسكرية قرب اليابان، ووقف استيراد المأكولات البحرية اليابانية، وحظر تصدير السلع ذات الاستخدام المزدوج إلى اليابان، ونصحت مواطنيها بعدم السفر إليها.
 مواجهة «السلوك الإكراهي»
خلال السنوات الأربع الماضية، أعدت طوكيو نفسها لمواجهة «السلوك الإكراهي» الصيني من خلال زيادة هائلة في الإنفاق العسكري، وحماية سلاسل التوريد، وتبني موقف أكثر حزماً في محيطها الإقليمي.
ورحبت واشنطن بهذه الخطوات، لكن دعمها لطوكيو في مواجهة حملة الضغط الصينية الأخيرة كان ضعيفاً إلى معدوم.
ويرى مراقبون أن على واشنطن الآن استغلال القوة الجديدة لليابان لبناء استراتيجيتها في المحيط الهادي-الهندي حول تحالف أمريكي-ياباني متجدد، بحسب تقرير أوردته مجلة «فورين أفيرز».
ويؤكدون أنه ينبغي على البلدين تنسيق دفاعاتهما، وبالتعاون مع شريكيهما الإقليميين أستراليا والهند، لتنسيق السياسة الصناعية في القطاعات الحساسة.
ويرون أنه إذا فشلت واشنطن في اغتنام هذه اللحظة أو اعتبرت قوة اليابان ذريعة للانسحاب من المنطقة، فستكون في وضع أسوأ بكثير لردع الصين عن احتلال تايوان أو إثارة الفوضى في المحيط الهادي-الهندي.

إحياء «الكواد»
بدأت طوكيو بإعادة تقييم دورها في العالم في عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، الذي قاد البلاد في الفترة 2006-2007 و2012-2020.
كما روج آبي لفكرة «المحيط الهادي-الهندي الحر والمفتوح»، مما وضع اليابان في قلب الجهود لمنع المنطقة من السقوط تحت نفوذ صيني مهيمن.
وأعاد آبي أيضاً إحياء «الكواد» الشراكة الدبلوماسية بين أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة، لتنسيق السياسات الأمنية والتكنولوجية والاقتصادية.
وبحسب تقرير المجلة، فعل آبي أكثر من أي زعيم آخر لتشجيع الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتشابهة في التفكير لاتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه صين متوسعة، مؤكداً أن «أمن تايوان هو أمن اليابان».
في الإطار ذاته، سرّع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022 في تحويل اليابان إلى قوة عسكرية حديثة.
وحذر رئيس الوزراء آنذاك فوميو كيشيدا من أن «أوكرانيا اليوم قد تكون شرق آسيا غداً»، ملخصاً الخوف من أن تقلد الصين سلوك روسيا وتغزو جيرانها.
في ذلك العام، التزمت اليابان بمضاعفة إنفاقها الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2027، وحددت الصين صراحة وبلا مواربة كأكبر تهديد لها.

قدرات «الضربة المضادة»
بدأت طوكيو أيضاً في اقتناء قدرات «الضربة المضادة» لاستهداف مواقع إطلاق الصواريخ لدى الخصم، وهو أمر كان يُعتبر مستحيلاً قبل سنوات قليلة خوفاً من إغضاب الصين وانتهاك قيود ذاتية على الأسلحة الهجومية.
واليوم، تستعد طوكيو لوضع أسلحة فرط صوتية في الخدمة قادرة على تعطيل دفاعات الصين وكوريا الشمالية الجوية والصاروخية، وتنشر صواريخ توماهوك كروز، وصواريخ الضربة المشتركة، وصواريخ نوع 12 المطورة محلياً للسفن السطحية لتعزيز قدرتها على الضربات المضادة.
كما تستثمر اليابان بكثافة في المجال الفضائي لتتبع الأقمار الصناعية واكتشاف التهديدات في المدار بتخصيص 3.5 مليار دولار في 2025، أي عشرة أضعاف ما كان عليه في 2020.
بالإضافة إلى ذلك، تعزز اليابان مواقعها في جزرها الجنوبية الغربية القريبة من تايوان «جزيرة يوناغوني على بعد 68 ميلاً فقط».
علاوة على ذلك، عززت اليابان علاقاتها الدفاعية الإقليمية لتثبيت موقفها أمام الصين، إذ ساعدت دولاً أخرى في المنطقة، بما في ذلك بنغلاديش والفلبين، في الدفاع عن نفسها ضد التجاوزات الصينية. وقدمت طوكيو للفلبين نظام رادار مراقبة جوية و12 من أصل 18 سفينة تابعة لخفر السواحل. كما خففت قواعد تصدير الدفاع لتسهيل مشاركة التكنولوجيا مع حلفائها.
في 2023، وقعت اتفاقاً مع إيطاليا والمملكة المتحدة لإنتاج مقاتلة مشتركة، أما في 2025، أعلنت أستراليا شراء 11 فرقاطة خفية من فئة موغامي من اليابان بقيمة 6.5 مليار دولار أكبر صفقة تصدير دفاعية يابانية حتى الآن.
لا يقل أهمية عن ذلك استثمار طوكيو في ترتيبات الدفاع الجماعي، فخلال السنوات الخمس الماضية، وقعت اليابان اتفاقيات مع أستراليا والفلبين والمملكة المتحدة توسع فرص التدريب المشترك، وتجميع الموارد، ومشاركة اللوجستيات، والوصول المتبادل إلى القواعد.

نظام شبيه بـ»الناتو»
ويرى الخبراء أن هذه هي اللبنات الأساسية لنظام شبيه بحلف شمال الأطلسي في المحيط الهادئ-الهندي.
ويقولون إن «اليابان أقوى اليوم من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنها تواجه مفارقة: نجاح تحصينها قد يشجع على انسحاب أمريكي».
قد يجادل بعض صانعي السياسة والاستراتيجيين الأمريكيين الذين يدعون إلى ضبط النفس في السياسة الخارجية بأن اليابان الأكثر قدرة تسمح للولايات المتحدة بفعل أقل في المنطقة.
لكن العكس هو الصحيح بحسب الخبراء، حيث إن الوضع العسكري الجديد لليابان وفقاً لهم يقدم هدايا نادرة للولايات المتحدة من خلال حليف ملتزم تماماً ومستعد ليكون مرساة الدفاع الجماعي الإقليمي الأمامية.
ويرون أنه يجب على واشنطن اغتنام هذه اللحظة بتعزيز التعاون الدفاعي مع اليابان.
ويشيرون إلى أن ردع الصين يتطلب بنية تحالف مبنية على التخطيط المشترك، والقوات المتوافقة، وسياسة أمن اقتصادي متكاملة.
 الجغرافيا وإسقاط
 القوة الأمريكية
في حال حرب مع الصين حول تايوان، سيكون الضغط اللوجستي على القوات الأمريكية بحسب تصور المراقبين هائلاً.
وأشاروا إلى أن واشنطن ستحتاج إلى العمل مع حلفائها الإقليميين لتمركز قواتها ومعداتها قرب مسرح العمليات.
وتعاونت الولايات المتحدة واليابان أكثر في الدفاع خلال السنوات الأخيرة، لكنهما بحاجة إلى المزيد. في 2025، أطلقت اليابان قيادة العمليات المشتركة التي تدمج فروع قواتها المسلحة الثلاثة.
وبدأت واشنطن وطوكيو في ترقية «قوات الولايات المتحدة في اليابان» من هيئة إدارية إلى مقر قيادة قوة مشتركة.
التحالف الأمريكي-الياباني
لكن الحليفين، بحسب تقارير مراكز الدراسات لا يملكان بعد هيئة ذات سلطة تشغيلية وهيكل لتنسيق القوات الأمريكية واليابانية في أزمة.
وتشير التقارير إلى أهمية أن تضع واشنطن ضابطاً كبيراً في طوكيو تحت سلطة قائد المحيط الهادئ-الهندي لاتخاذ قرارات سريعة إلى جانب قيادة العمليات المشتركة اليابانية. وتدرك القيادة الصينية أن التحالف الأمريكي-الياباني يمثل أكبر عقبة أمام طموحاتها في الهيمنة الإقليمية، إذ إن اليابان المرنة اقتصادياً، والنشطة دبلوماسياً، والقادرة عسكرياً تقوض خطة بكين لعزل تايوان وإكراه جيرانها، وفق ما يرى المراقبون.