آخر حصون أوكرانيا في دونباس.. كرياماتورسك على حافة السقوط

آخر حصون أوكرانيا في دونباس.. كرياماتورسك على حافة السقوط


تقاوم مدينة كرياماتورسك، آخر الحصون الأوكرانية في دونباس، رغم تصاعد الضربات الروسية، فيما تحولت الشرطة المحلية إلى مكافحة الطائرات المسيّرة، وتدعو السلطات في كييف المدنيين إلى الإجلاء، بينما يتمسك عدد من السكان بالبقاء في مدينتهم مهما كان الثمن.
وبحسب تقرير ميداني نشرته صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية، باتت الطائرات المسيّرة تعيد رسم قواعد الحياة اليومية في كراماتورسك؛ إذ يقود السكان سياراتهم والنوافذ مفتوحة وأحزمة الأمان غير مستخدمة، مع تجاوز حدود السرعة، بينما يراقب السائقون السماء استعدادًا لترك سياراتهم في أي لحظة عند سماع أزيز طائرة مسيّرة.
وعلى الرغم من شبكات الحماية التي تغطي أجزاء واسعة من المدينة الصناعية، تتعرض السيارات لهجمات يومية بالطائرات المسيّرة.

الشرطة في مواجهة المسيّرات
تقول الصحيفة إن حركة المرور لم تعد الأولوية بالنسبة إلى الشرطة. وتروي أن الضابط أوليكسي، البالغ 38 عامًا، كان يقود شاحنة صغيرة بسرعة نحو موقعه على أطراف المدينة، بينما كان زميله، الضخم البنية، يراقب السماء من الجزء الخلفي للمركبة وهو يحمل سلاحًا آليًا.
ومنذ ديسمبر-كانون الأول 2025، تحولت مهمة هذه المجموعة من إجلاء المدنيين إلى مطاردة الطائرات المسيّرة.
وقال قائد كتيبة الشرطة المسلحة في سلوفيانسك وكراماتورسك، وهو من أبناء دونباس، إن «المهمة الأولى للشرطة هي حماية المواطنين. وهذا ما نفعله دائمًا، ولكن بطريقة مختلفة قليلًا».
وتشير «لو فيغارو» إلى أن القوات الروسية تتمركز على بعد نحو 15 كيلومترًا من سلوفيانسك وكراماتورسك، وهما مدينتان تسعى موسكو إلى السيطرة عليهما منذ عام 2014.
ويخفي أوليكسي، بحسب التقرير، حزنه وقلقه، فيما تنتشر وحدته بين الأشجار، وتختبئ مركباتها تحت شبكات تمويه، بينما يتمركز أفرادها على مسافات متباعدة استعدادًا لإسقاط الطائرات المسيّرة.
وقال أوليكسي إن عليهم البقاء مختبئين جيدًا حتى لا ترصدهم المسيّرات الروسية، مضيفًا أن استخدام الطائرات المسيّرة التي تعمل عبر الألياف البصرية يمنحها صورة واضحة جدًا، فيما لا تنجح أجهزة التشويش في تعطيلها. 
 «حرب النجوم»
وتصف «لو فيغارو» المشهد بأنه أقرب إلى «حرب النجوم»، إذ تنتشر فوق الحقول التي تخترقها الأسلاك الشائكة ما تسميه القوات المحلية «طريق المسيّرات».
كل بضع دقائق، يُسمع أزيز في السماء. فمن الجانب الأوكراني، تحلق طائرات «مافيك» للاستطلاع، ومسيّرات FPV الانتحارية، وطائرات مسيّرة كبيرة مخصصة للإمداد، بينما تستخدم القوات الروسية ترسانتها الكاملة لاستهداف المدينة.
وعلى الأرض، تختلط بقايا القذائف والأسلاك المصنوعة من الألياف البصرية بين أزهار الخشخاش والأقحوان، حتى إن الطيور بدأت تستخدمها لبناء أعشاشها.
وخلال إحدى الهجمات، أبلغ أوليكسي عبر جهاز اللاسلكي عن سرب من طائرات «غيربيرا» الروسية، وهي نسخة أرخص من المسيّرات الإيرانية الصنع من طراز «شاهد»، متجهًا نحو كرياماتورسك.
وقال إن الطائرات كانت تحلق بسرعة 690 كيلومترًا في الساعة وعلى ارتفاع 70 مترًا، بينما استعد رجاله للاشتباك. وبعد أن دوّت الانفجارات وبدأت الأسلحة الآلية في إطلاق النار، تمكن أحد أفراد الوحدة من إسقاط إحدى الطائرات.
وقالت كيسينيا، المتحدثة باسم شرطة المدينة، والتي كانت ترافق فريق الصحيفة: «إنها حرب النجوم».
وتشير الصحيفة إلى أن هذا الموقع كان يواجه في ديسمبر-كانون الأول طائرة مسيّرة أو اثنتين أسبوعيًا فقط، بينما بات يستقبل نحو عشر مسيّرات يوميًا.
وخلال شهر واحد، أسقط فريق أوليكسي 11 طائرة مسيّرة. وقال إن أخطر ما في الأمر هو أن الاشتباك يشبه المبارزة، إذ يتعين عليهم انتظار اقتراب المسيّرة إلى مسافة لا تتجاوز 100 متر حتى تصبح أسلحتهم الخفيفة قادرة على إصابتها. وأضاف أن الطائرة التي تتحرك بسرعة 60 كيلومترًا في الساعة لا تمنحهم سوى ثانية أو ثانيتين للرد، مشيرًا إلى أن أحد أفراد فريقه قتل بهذه الطريقة بعدما نفدت ذخيرته أثناء دفاعه عن طريق مغطى بشبكات الحماية.

الانهيار البطيء لدونباس
ينحدر جميع أفراد الوحدة من المنطقة، ويعرفون أكثر من غيرهم كيف يمكن لمدينة أن تموت تدريجيًا تحت السيطرة الروسية.
ويقول التقرير إن قرية أوليكسي الأصلية تقع خلف التل، وقد أصبحت اليوم تمر بها خطوط الجبهة. وعندما تدهور الوضع، أجلى عائلته وبعض خلايا النحل التي كان يمتلكها إلى دروجكيفكا، لكن الجبهة اقتربت منها أيضًا، واضطر إلى مغادرة منزله قبل عام بعدما سقط صاروخ في شارعه.
وأمضى ابنه البالغ 14 عامًا وزوجته فترة في وسط أوكرانيا قبل أن يعودا، لكن ابنهما قال لهما إنه يريد رؤية أصدقائه والذهاب إلى المدرسة، فعادت الأسرة لاحقًا إلى وسط البلاد بشكل نهائي، حيث التحق الابن بزملائه في الدراسة، بينما بقي أوليكسي في كرياماتورسك. وتروي كيسينيا، وهي شرطية من مدينة دوبروبيليا التي أصبحت هي الأخرى في مرمى القوات الروسية، أن منزل عائلتها دُمر بالكامل، بعدما طلب الجيران صورًا عبر الأقمار الصناعية، ليتبين أن المنزل والشارع بأكمله لم يعودا موجودين.
وتظل القنابل الانزلاقية «KAB» أحد أخطر التهديدات، في ظل عدم امتلاك أوكرانيا دفاعات جوية قادرة على التصدي لهذا النوع من الأسلحة، وفق التقرير. وترى «لو فيغارو» أن كراماتورسك وسلوفيانسك تبدوان وكأنهما تدخلان المرحلة الأخيرة من مسار يحوّل المدن من أماكن للحياة إلى أنقاض.
ولا تفصل المدينتين سوى خمسة كيلومترات عبر تل، لكن الطريق الذي يربط بينهما أصبح تحت مراقبة الطائرات المسيّرة.
وفي 2 أغسطس-آب، ألحقت القوات الروسية أضرارًا بجسر على هذا المحور، في محاولة لعزل القوات المدافعة عن المنطقة وقطع خطوط إمدادها.
كما غادرت بعض مراكز القيادة كرياماتورسك بهدوء، وحلت محلها «نقاط استقرار»، وهي مستشفيات ميدانية صغيرة تنتشر عادة على طول الجبهة. وفي 22 أغسطس-آب، صنفت السلطات رسميًا المدينتين ضمن منطقة «قتال نشط»، في أول مؤشر على بدء المعركة.

مدينة تفرغ من سكانها
تتراكم بالنسبة إلى المدنيين علامات الاحتضار التدريجي للمدينة. فالشوارع تبقى خالية معظم الوقت، ويخرج السكان صباحًا لشراء احتياجاتهم أو الذهاب إلى العمل، لكن معظمهم لا يسيرون على الأقدام.
وبحلول الخامسة مساءً، تفرغ المدينة بالكامل تقريبًا، ولا يُرى سوى عدد قليل من الأشخاص أمام مبانيهم.
ويعيش نحو 115 ألف شخص في الجزء من منطقة دونيتسك الخاضع للسيطرة الأوكرانية، بينما لم يتبق في كرياماتورسك سوى نحو 30 ألف نسمة، مقارنة بـ150 ألفًا عام 2022. كما تتلاشى الحياة الاقتصادية تدريجيًا. فقد نقل مصنع «NKMZ»، أحد أكبر مجمعات الصناعات الثقيلة في أوروبا، أنشطته بشكل نهائي إلى غرب البلاد. وأغلقت آخر دار للولادة في دونباس أبوابها في يونيو-حزيران.
وتقول كيسينيا إن كرياماتورسك كانت مدينة للمصانع والعمال، وإن إغلاق المصانع أدى إلى فقدان السكان وظائفهم ورحيلهم، بينما تعتمد سلوفيانسك تاريخيًا على التجارة والسياحة؛ ما قد يجعل بقاء سكانها فيها أسهل.