أبطال هيئة الشارقة للدفاع المدني يعيدون طفلة حديثة الولادة إلى أحضان أسرتها
في قصة جديدة من قصص الشجاعة التي يكتبها أبطال هيئة الشارقة للدفاع المدني كل يوم، كانت طفلة حديثة الولادة على موعد مع النجاة بعد أن حاصرها الدخان داخل شقة سكنية اندلع فيها حريق فجر الجمعة بمنطقة الناصرية. وبينما كانت أسرتها تعيش لحظات من القلق والخوف، كانت فرق الإطفاء والإنقاذ تشق طريقها نحو الموقع في سباق مع الزمن لإنقاذ الأرواح ومنع تفاقم الحادث. وخلال دقائق تحوّلت مهمة الاستجابة إلى عملية إنقاذ إنسانية دقيقة كان أبطالها رجالٌ اعتادوا مواجهة الخطر وصناعة الأمل في أصعب اللحظات.
البداية كانت في الساعات الأولى من فجر الجمعة، حيث الحياة تمضي بهدوئها المعتاد داخل أحد المباني السكنية، بينما كانت أسرة صغيرة تستمتع بلحظات السكون بعد يوم طويل. داخل الشقة الواقعة في الطابق الثاني كانت طفلة حديثة الولادة تنام بالقرب من أسرتها، غير مدركة أن دقائق قليلة فقط ستفصل بينها وبين موقف قد يغيّر كل شيء. وفي الخارج، كانت المدينة تبدو هادئة كما لو أن الجميع يغطّون في نوم عميق، قبل أن يقطع ذلك الهدوء حدثٌ استدعى استنفار فرق الدفاع المدني وتحويل ليلة عادية إلى سباق حقيقي مع الزمن لإنقاذ الأرواح. عند الساعة 01:35 صباحاً، تلقت غرفة العمليات في هيئة الشارقة للدفاع المدني بلاغاً يفيد باندلاع حريق داخل شقة سكنية. وما إن وردت المعلومات الأولية حتى بدأت إجراءات الاستجابة وفق أعلى درجات الجاهزية، حيث انطلقت فرق الإطفاء والإنقاذ من مركز الإدارة ومركز سمنان ومركز الميناء باتجاه الموقع. وخلال دقائق كانت المركبات تشق طريقها عبر الشوارع، فيما كان أبطال الدفاع المدني يستعدون للتعامل مع سيناريو لا تزال تفاصيله مجهولة. ففي مثل هذه البلاغات، لا يمكن التنبؤ بحجم الخطر أو بعدد الأشخاص الموجودين في الداخل، لذلك يتم التعامل مع كل نداء على أنه مهمة لإنقاذ حياة قد تكون بخطر في أي لحظة. ومع وصول أولى الفرق إلى الموقع، بدت مؤشرات الحريق واضحة من خلال الأدخنة المتصاعدة من إحدى الشقق. وسرعان ما تبيّن أن الحريق ناتج عن احتراق وحدة تكييف داخل الشقة الواقعة في الطابق الثاني، إلا أن الخطر الأكبر لم يكن في ألسنة اللهب نفسها، بل في الدخان الكثيف الذي بدأ ينتشر داخل المكان ويحد من الرؤية ويهدد سلامة القاطنين. وفي مثل هذه الحالات، غالباً ما يكون الدخان أكثر خطورة من النيران، خصوصاً على الأطفال وكبار السن. لذلك أدركت الفرق منذ اللحظة الأولى أن الوقت ليس في صالح الموجودين داخل الشقة، وأن كل دقيقة تمر تستدعي تحركاً أسرع وأكثر دقة. وفي مشهد يجسّد العمل الاحترافي المتكامل، انقسمت الفرق إلى مجموعات متخصصة، باشرت واحدة منها مكافحة الحريق لمنع توسعه، فيما ركزت أخرى على الوصول إلى السكان وتأمين خروجهم. وبين حركة رجال الإنقاذ وأصوات أجهزة الاتصال والتعليمات الميدانية المتواصلة، بدأت عملية الإخلاء الاحترازية للمبنى بهدف إخراج جميع السكان إلى بر الأمان بأسرع وقت ممكن ومن دون تعريضهم لأي مخاطر. وفي تلك الأثناء كانت الفرق تراقب تطور الحريق لحظة بلحظة، لضمان عدم انتقاله إلى أجزاء أخرى من المبنى أو التأثير على طرق الإخلاء المستخدمة لإنقاذ السكان. واستخدمت فرق الإنقاذ السلالم الخاصة للوصول إلى الشقة وإجلاء أفراد الأسرة المحاصرين. ونجح أبطال الدفاع المدني في إنزال رب الأسرة ووالدته إلى خارج المبنى بأمان، قبل أن تتجه الأنظار إلى أصغر أفراد العائلة، وهي طفلة حديثة الولادة كانت داخل الشقة وسط الظروف الطارئة. وبعناية كبيرة وحذر شديد، تمكّن رجال الإنقاذ من إخراج الطفلة ونقلها إلى مكان آمن بعيداً عن الخطر. كانت لحظة مؤثرة بكل تفاصيلها، فبين أيدي أبطال الدفاع المدني كانت حياة صغيرة تنتظر فرصة جديدة لمواصلة بدايتها الأولى، فيما كانت عيون أسرتها تتابع المشهد بقلق وترقب وأمل. وبينما كانت الأسرة تستعيد أنفاسها خارج المبنى، واصلت فرق الإطفاء عملها داخل الموقع حتى تمكنت من السيطرة الكاملة على الحريق. وبعد احتواء مصدر النيران، ركّزت الفرق على منع امتدادها إلى الوحدات السكنية المجاورة، حفاظاً على سلامة بقية السكان والممتلكات. كما جرى تنفيذ عمليات التبريد وإزالة مصادر الخطر المحتملة والتأكد من عدم وجود بؤر حرارية قد تؤدي إلى تجدد الاشتعال. وأظهرت سرعة الاستجابة والتنسيق بين الفرق المختلفة مستوىً عالياً من الجاهزية الميدانية، أسهم في إنهاء الحادث دون تسجيل أي إصابات بشرية، رغم حساسية الموقف والظروف التي رافقته. وأكد سعادة العميد يوسف عبيد حرمول الشامسي، مدير عام هيئة الشارقة للدفاع المدني، أن ما تحقق في هذا الحادث يعكس الجاهزية العالية والتفاني الذي يتحلّى به أبطال الدفاع المدني في أداء واجبهم الإنساني، مشيراً إلى أن إنقاذ الأرواح يظل الهدف الأول لكل عمليات الاستجابة. وقال: "يبذل أبطال الدفاع المدني جهوداً كبيرة ويواجهون مختلف المخاطر من أجل حماية المجتمع والحفاظ على سلامة الأرواح والممتلكات، ويجسّدون في كل مهمة قيم الشجاعة والمسؤولية والالتزام الإنساني. وما شهدناه في هذا الحادث من سرعة استجابة وتنسيق ميداني يعكس كفاءة كوادرنا واستعدادهم الدائم للتعامل مع مختلف الحالات الطارئة على مدار الساعة". ومع انتهاء المهمة وعودة الهدوء إلى المكان، بقيت المشاعر التي خلّفها المشهد حاضرة في ذاكرة كل من عايشه. فبالنسبة لأسرة الطفلة، لم يكن الأمر مجرد حادث تمت السيطرة عليه، بل لحظة استعادوا فيها أغلى ما يملكون. أما الجيران والسكان فقد رأوا بأعينهم كيف يمكن للشجاعة والسرعة والخبرة أن تصنع الفرق بين الخطر والنجاة. وفي المقابل، لم تُخفِ وجوه أبطال الدفاع المدني مشاعر الارتياح بعد نجاح المهمة، فوسط التعب والجهد الذي بذلوه، كانت رؤية الطفلة بين ذراعي أسرتها مجدداً كافية لتمنحهم شعوراً عميقاً بالرضا في لحظة تختصر جوهر رسالتهم الإنسانية، أن يعود الجميع إلى بيوتهم سالمين، وأن تبقى الأرواح محمية مهما كانت التحديات والظروف.