أقصى الشمال الروسي «تحت النار».. هل طورت أوكرانيا قدراتها العسكرية؟
وسعت أوكرانيا هجماتها العسكرية داخل الأراضي الروسية إلى مستوى غير مسبوق، بعدما استهدفت بطائرات مسيرة منشأتين لتكثيف الغاز في القطب الشمالي، على مسافة تتجاوز 3000 كيلومتر من الحدود الأوكرانية، في هجوم يكشف تطويرا لافتا في قدرات كييف العسكرية. واستهدفت الضربات التي نفذت الأربعاء، مصنع نوفى أورينغوي ومنطقة بوروفسكي، غرب سيبيريا، في واحدة من أبعد الهجمات التي تنفذها أوكرانيا منذ بدء الحرب مع روسيا. وكتب ديمتري أرتيوخوف، حاكم منطقة يامالو-نينيتس ذاتية الحكم، على تطبيق «تيلغرام»، أنه تم اعتراض هجمات الطائرات المسيرة، وأن «حطام الطائرة المسيرة تسبب في اندلاع حريق عند الاصطدام». وزادت أوكرانيا، منذ بداية الحرب، بشكل كبير من قدرتها على الإنتاج الضخم للطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، واستهدفت مؤخراً على وجه التحديد البنية التحتية للطاقة والمراكز اللوجستية الروسية. ووصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الهجوم الأخير بعيد المدى بأنه «مبرر تمامًا». وجاء ذلك بعد أيام قليلة من زيارة المبعوثين الأمريكيين الخاصين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى موسكو وكييف، حاملين معهما مقترحات جديدة لإنهاء الحرب. وبينما توقفت الهجمات على عاصمتي روسيا وأوكرانيا خلال الزيارة التي استمرت ثلاثة أيام في وقت سابق من هذا الأسبوع، استؤنفت فور مغادرتهما.
المسيّرة الوردية
أعلنت القوات المسلحة الأوكرانية أنها استهدفت محطتين روسيتين حيويتين لمعالجة الغاز، في نوفى أورينغوي ومنطقة بوروفسكي، بطائرات مسيّرة من طراز FP-1 من إنتاج شركة «فاير بوينت» الأوكرانية المتخصصة في تصنيع الطائرات المسيّرة بعيدة المدى.
ويبلغ عرض طائرة FP-1 المسيّرة الوردية اللون - المعروفة أيضًا باسم Fire Point FP-1 UAV - حوالي 6 أمتار «20 قدمًا»، وتستطيع الطيران بسرعة تتراوح بين 140 و180 كيلومترًا «87-112 ميلًا» في الساعة. وتبلغ تكلفة إنتاج كل طائرة منها أقل من 60 ألف دولار أمريكي، وهو مبلغ يُعتبر منخفضًا.
وكانت أبعد مسافة قطعتها طائرة FP-1 المسيّرة قبل هجوم نوفى أورينغوي في يوليو-تموز، عندما استهدفت مصفاة نفط في مدينة أومسك جنوب غرب سيبيريا، على بُعد حوالي 2500 كيلومتر «1550 ميلًا» من الحدود مع أوكرانيا.
مدى جديد
صرح أرتيم جوجا، مبعوث الكرملين إلى جبال الأورال، بأن هجوم أوكرانيا يوم الأربعاء، كان الأول من نوعه الذي يصل إلى القطب الشمالي.
استهدف الهجوم محطتين روسيتين لمعالجة الغاز في منطقتي نوفوي أورينغوي وبوروفسكي في إقليم يامالو-نينيتس. يُعدّ إقليم يامالو-نينيتس موطنًا لنحو 80% من إنتاج الغاز الطبيعي في روسيا، وثلثي احتياطياتها من الغاز، فضلًا عن 13% من احتياطيات النفط في البلاد.
وتبلغ احتياطيات الغاز في هذه المنطقة 26.5 تريليون متر مكعب، بينما يبلغ الاحتياج العالمي من الغاز حوالي 4.2 تريليون متر مكعب سنويًا. تُعرف نوفوي أورينغوي بعاصمة الغاز في روسيا نظرًا لأهميتها البالغة في إنتاج الغاز والنفط الروسيين. إن قدرة أوكرانيا على الوصول إلى أهدافها هنا تعني أنها قد تُلحق ضرراً أكبر بكثير بالاقتصاد الروسي، الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على صادرات الطاقة كمصدر دخل، لا سيما وأن روسيا تخضع لعقوبات اقتصادية وتجارية دولية منذ غزوها الأول لأوكرانيا في فبراير-شباط 2022.
معاناة أوروبا
قد يكون للهجوم على البنية التحتية للغاز الروسي عواقب وخيمة على الاتحاد الأوروبي، حيث تعتمد الدول الأعضاء اعتماداً كبيراً على إمدادات الغاز الروسي. في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على النفط والغاز الروسيين، وبدأ يستثمر في جهود لتقليل اعتماده على الطاقة الروسية. لكن الحصار المستمر لمضيق هرمز، الذي كان ينقل سابقاً نحو 20% من نفط العالم وغازه الطبيعي المسال، يعني أن أوروبا تُعاني مجدداً من صعوبة استيراد الغاز. ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا هذا الأسبوع لتتجاوز 80 يورو «93 دولارًا» لكل ميغاواط/ساعة، وهو أعلى سعر منذ عام 2023، وفقًا لبورصة الغاز الهولندية «TTF»، وهي سوق جملة تحدد معيار أسعار الغاز الأوروبي.
وتبلغ احتياطيات الغاز الحالية في أوروبا حوالي 65%، مقارنةً بـ 80% العام الماضي، بحسب منظمة البنية التحتية للغاز في أوروبا. ويُعدّ تناقص الاحتياطيات مصدر قلق بالغ للقارة مع اقتراب فصل الشتاء.
وقد حُثّت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على البدء بتخزين الغاز في مارس-آذار، بعد فترة وجيزة من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران.
إلا أن ديوان المحاسبة الأوروبي أصدر تقريرًا يوم الأربعاء يفيد بأن الدول الأعضاء لم تستثمر بالقدر الكافي في مصادر الطاقة الأخرى لتتمكن من التخلص التدريجي من الغاز الروسي، وأن «أهداف الاتحاد الأوروبي في الاستجابة للأزمات غالبًا ما يتعذر إثباتها».