رئيس الدولة يبحث مع الرئيس السوري هاتفيا علاقـات التعـاون والتطـورات في المنطقـة
أوروبا أمام «صفقة كبرى».. بوتين يبدّل مسار الحرب بقمة مشروطة مع زيلينسكي
تدخل حرب أوكرانيا اختبارًا سياسيًا جديدًا، فقد أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحديث عن نهاية محتملة للحرب، وربط لقائه بنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بإنجاز اتفاق سلام مسبق، وقال «الكرملين» إن العمل التمهيدي ما زال يحتاج إلى وقت، وجاء ذلك بعد هدنة قصيرة بين 9 و11 أيار انتهت بموجة مسيّرات روسية واسعة على مدن أوكرانية؛ ما وضع إشارات التفاوض داخل مشهد ميداني يواصل إنتاج الضغط على كييف.
في الوقت نفسه، فتح طرح بوتين اسم المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر كوسيط مفضل في أي تفاوض أوروبي روسي محتمل حول الحرب الأوكرانية وتداعياتها سجالًا داخل أوروبا حول شكل القناة الممكنة مع موسكو، فقد رفضت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الاقتراح وربطته بعلاقات شرودر السابقة مع شركات الطاقة الروسية، وتعاملت برلين مع الفكرة كجزء من عروض روسية تحتاج إلى اختبار عملي يبدأ من تمديد الهدنة..
وبذلك خرجت المسألة من إطار اللقاء الروسي الأوكراني المحتمل إلى ملف أوروبي أكثر حساسية، يتعلق بمن يتحدث مع موسكو، وبالحدود التي تمنع «الكرملين» من هندسة قناة التفاوض وشروطها السياسية.
أوروبا تدخل مسار
التفاهمات المسبقة
وتمنح الموازاة بين المسارين دلالة سياسية مباشرة، فموسكو تربط لقاء بوتين وزيلينسكي بتفاهمات تسبق القمة وتضعها في موقع التوقيع النهائي، لذلك يكتسب الحديث عن قناة أوروبية روسية وزنًا إضافيًا الآن، مع دخول ملفات العقوبات والضمانات الأمنية ومستقبل العلاقة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي في صلب أي ترتيب قابل للاستمرار، وهي ملفات تضع بروكسل والعواصم الأوروبية الكبرى داخل صياغة التسوية وتمنع حصرها في تفاهم روسي أمريكي منفصل عن كلفة الحرب الأوروبية.
ويكشف مصدر دبلوماسي أوروبي من بروكسل لـ»إرم نيوز» أن العواصم الأوروبية تتعامل مع إشارات بوتين الأخيرة بجدية حذرة؛ لأن ربط اللقاء المحتمل مع زيلينسكي باتفاق جاهز يعني عمليًا أن موسكو تبحث عن مسار تفاوضي يسبق القمة الرئاسية المفترضة ويمهّد لها سياسيًا وقانونيًا، ويضيف أن الأوروبيين يقرأون هذا الربط مع طرح اسم غيرهارد شرودر ضمن سياق واحد، فالمسألة تتصل بشكل مباشر بمحاولة اختبار الجهة التي يمكن أن تحمل تفويضًا أوروبيًا في أي اتصال منظم مع موسكو.
ويوضح المصدر أن رفض اسم شرودر داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي يتركز على طبيعة التفويض والصدقية السياسية للوسيط، وعلى ضرورة ألّا يظهر الاتحاد كطرف يدخل محادثات أمنية كبرى عبر شخصية ترتبط في الذاكرة السياسية الأوروبية بملفات الطاقة الروسية، ويشير إلى أن المداولات السياسية داخل بعض العواصم تدور حول شكل القناة أكثر مما تدور حول مبدأ الاتصال نفسه، خصوصًا أن العقوبات الأوروبية وإعادة الإعمار وضمانات أوكرانيا الأمنية تحتاج في النهاية إلى إطار تفاوضي تشارك فيه أوروبا بوزن واضح.
اختبار النوايا الروسية
من الهدنة إلى الضمانات
وتعود حساسية اسم شرودر داخل أوروبا إلى سنوات ما بعد خروجه من المستشارية الألمانية عام 2005، حين انتقل إلى مواقع متقدمة في مشاريع الطاقة الروسية، أبرزها رئاسة لجنة المساهمين في مشروع «نورد ستريم» ثم انخراطه في هياكل مرتبطة بشركة «روسنفت»؛ ما جعل حضوره السياسي في برلين وبروكسل مرتبطًا بمرحلة الاعتماد الأوروبي الواسع على الغاز الروسي.
وبحسب المصدر، ينظر الأوروبيون إلى حديث بوتين عن نهاية محتملة للحرب من زاويتين عمليتين، الأولى تتصل بمدى استعداد موسكو لتحويل الهدن القصيرة إلى وقف نار قابل للمراقبة، والثانية تتصل بقبولها مناقشة ترتيبات أمنية تسمح لأوكرانيا بالحصول على ضمانات تمنع عــــودة القتـــال بعد أي اتفـــــاق، ويضيف أن أي مسار جــــدي سيحتـــاج إلى إشـــارات محـددة، مثل خفض الهجمــــات على البنى المدنية، وتثبيت آلية مراقبة، وتحديـــــد جدول تفاوضي لا يترك ملف الأراضي والضمانات غامضًـــــــا حتـــــى اللحظــــة الأخيرة.
وجاء حديث بوتين عن «اقتراب نهاية» الحرب حين ربط مؤخرًا أي لقاء محتمل مع زيلينسكي ببلوغ مسار التسوية مرحلة متقدمة تسمح بتوقيع اتفاق سلام، وأكد أن موسكو تبحث عن صيغة نهائية تعالج ما تسميه روسيا جذور الصراع وترتيبات الأمن اللاحقة.
وتلقفت العواصم الأوروبية التصريح كإشارة إلى سقف تفاوضي روسي واضح، خصوصًا أن «الكرملين» أعاد في اليوم التالي التأكيد أن «عملًا كبيرًا» ما زال مطلوبًا قبل أي لقاء رئاسي أو اتفاق نهائي.
بروكسل تبحث عن موقعها في التسوية
من جانبه، يقول المصدر الدبلوماسي الأوروبي لـ»إرم نيوز» إن بروكسل تدرك أن واشنطن قد تدفع في اتجاه تسوية أسرع تحت ضغط الحسابات السياسية الأمريكية، وإن أوروبا تتحرك وفق حسابات أطول؛ لأن أي اتفاق ضعيف سيترك أثره المباشر على أمن القارة، وعلى ميزانيات الدفاع، وعلى العلاقة المستقبلية بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، ويؤكد أن الأوروبيين يتعاملون مع التسوية كملف مرتبط مباشرة بكلفة الحرب، فالدول الأوروبية ستتحمل جانبًا كبيرًا من التمويل وإعادة البناء واستيعاب التداعيات الأمنية.
ويخلص المصدر إلى أن المرحلة الراهنة تمنح مؤشرات أولية على انتقال في أدوات إدارة الحرب، فموسكو ترفع حضور القنوات السياسية، وكييف تطلب ضمانات ملموسة قبل أي تنازل، وواشنطن تبحث عن مسار قابل للإعلان، وتعمل أوروبا على حماية موقعها في أي تسوية تمس أمنها المباشر، ويضيف أن قيمة الأسابيع المقبلة ستظهر في التفاصيل العملية، وتحديدًا في قدرة الأطراف على تثبيت هدنة أطول، وفتح قناة تفاوض واضحة، وإنتاج تفويض أوروبي لا يثير انقسامًا داخل الاتحاد.
بدوره، يقول المختص في الشؤون الأوروبية إنريكي سيربيتو لـ»إرم نيوز» إن بروكسل تتعامل مع تصريحات بوتين الأخيرة كإشارة تستحق المتابعة، وتقرأها ضمن سقف روسي واضح، فموسكو تريد لقاء رئاسيًا يأتي بعد صياغة التفاهمات الرئيسة، وتدفع الأوروبيين إلى التفكير في قناة تفاوضية تستطيع التعامل مع ملفات الأمن والعقوبات وإعادة الإعمار من موقع موحد.
ويرى أن الملف الأوروبي يتجاوز اسم شرودر، فالأزمة الأعمق تتصل بغياب شخصية أوروبية تحظى بثقة كافية داخل الاتحاد وتمتلك في الوقت نفسه قدرة على مخاطبة موسكو من دون أن تثير اعتراضات سياسية داخلية واسعة.
ويشير سيربيتو إلى أن أي تسوية حول أوكرانيا ستحتاج إلى دور أوروبي مباشر؛ لأن واشنطن تستطيع دفع المسار السياسي، وموسكو تستطيع رفع سقف شروطها، وكييف تستطيع التمسك بضماناتها، فيما ستجد بروكسل والعواصم الكبرى نفسها أمام الجزء الأكثر كلفة من أي اتفاق.