الاقتراب من «الخط الأحمر»

أوروبا تعيد رسم قواعد الردع والاشتباك مع روسيا

أوروبا تعيد رسم قواعد الردع والاشتباك مع روسيا


ترفع سلسلة الحوادث الأخيرة على الجبهة الشرقية للناتو احتمالات الاحتكاك المباشر بين روسيا والدول الأوروبية إلى مستوى أكثر حساسية، بعدما أسقطت مقاتلة إيطالية تابعة للحلف مسيّرة فوق ليتوانيا يوم الثلاثاء الماضي.
وأطلقت فرقاطة روسية مشاعل قرب مروحية دنماركية في بحر البلطيق، بالتزامن مع تحذير رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من احتمال تعرض دول داعمة لأوكرانيا لضربات بمسيّرات أو صواريخ يصعب تحديد طبيعتها فور وقوعها.
وتفيد معلومات من مصدر عسكري فرنسي مقرّب من هياكل التخطيط التابعة للناتو بأن الحلف حدّث خلال الأيام الأخيرة تعليمات التعامل مع المسيّرات التي تعبر حدود الدول الأعضاء، ومنح القيادات الجوية المحلية قدرة أسرع على اعتراض الأهداف التي تحمل متفجرات، أو تهدد منشآت عسكرية ومدنية، مع إبقاء أي ردٍ ضد منصة إطلاق موجودة خارج أراضي الحلف خاضعًا لقرار سياسي أعلى.
وتضمنت الترتيبات التي راجعتها قيادة الحلف في أوروبا قواعد اتصال إضافية بين مراكز العمليات في أويدم الألمانية ورامشتاين والقواعد الجوية في بولندا ودول البلطيق، كما أدرجت سيناريوهات تشمل إصابة طائرة مأهولة، وسقوط قتلى داخل دولة عضو، وضرب منشأة عسكرية بصورة متعمدة، وهي أحداث يمكن أن تدفع دولة متضررة إلى طلب مشاورات المادة الرابعة أو طرح تفعيل الدفاع الجماعي وفق المادة الخامسة.
ويعقد رؤساء أركان دول الناتو اجتماعًا في كوبنهاغن، يومي الجمعة والسبت، لمراجعة الردع والدفاع، ودعم أوكرانيا.

قواعد الاشتباك تضبط
يكمن الحاجز الأساس أمام الانفجار في الفصل المؤسسي بين اعتراض هدف يدخل أراضي الحلف وبين مهاجمة مصدره داخل الأراضي الروسية أو البيلاروسية، فالأول يدخل ضمن الدفاع الجوي المباشر، والثاني يحمل أثرًا إستراتيجيًا أوسع، ويحتاج حسابات سياسية جماعية، لذلك تسمح هذه القواعد للناتو باستخدام القوة لحماية أجوائه مع إبقاء قرار الانتقال إلى عمليات هجومية ضمن مستوى مختلف من الموافقة.
ويرى المحلل السياسي الروسي يفغيني سيدروف خلال حديثه لـ»إرم نيوز» أن موسكو تقرأ انتشار القوات والبنى العسكرية الأوروبية قرب حدودها من زاوية توازن الردع، وتتعامل في الوقت نفسه مع الحرب المباشرة مع الناتو باعتبارها انتقالًا إلى مستوى يتجاوز الصراع الأوكراني، وهو ما يجعل التحكم بنطاق العمليات عنصرًا حاسمًا في الحسابات الروسية. ومن موسكو، أوضح مصدر دبلوماسي روسي مطلع على الملف الأوروبي في موسكو، لـ»إرم نيوز» أن النقاشات الجارية داخل الخارجية الروسية تركز، حاليًا، على 3 سيناريوهات تعتبرها موسكو الأكثر حساسية، والتي تتمثل في نشر قوات أوروبية مقاتلة في أوكرانيا، واستخدام قواعد تابعة لدول الناتو لإسناد عمليات هجومية مباشرة ضد الأراضي الروسية، وتحول أنظمة الدفاع الجوي الأوروبية إلى جزء عملي من اعتراض الصواريخ، والمسيّرات، فوق الأراضي الأوكرانية. كما تشير المعلومات إلى أن موسكو طلبت من مؤسساتها المعنية إعداد تقديرات منفصلة لكل سيناريو، مع اهتمام خاص بأي صيغة أوروبية مستقبلية لنشر قوات في غرب أوكرانيا أو قرب كييف، كما تتابع طبيعة المهام التي يمكن أن تتولاها وحدات فرنسية أو بريطانية إذا انتقلت من التدريب والحماية الخلفية إلى وظائف ترتبط بالمراقبة الجوية أو الدفاع الصاروخي أو تأمين منشآت عسكرية أوكرانية، وهي تفاصيل تراها موسكو أكثر أهمية من مجرد وجود قوات أوروبية على الأراضي الأوكرانية.

الخط الأحمر
من جانبها، توضح الصحفية الألمانية آن كاترين مولر  أن العواصم الأوروبية أصبحت أكثر اهتمامًا بتمييز الحوادث القابلة للاحتواء عن العمليات التي تحمل دلائل واضحة على التعمد، لأن إثبات الجهة المنفذة والقصد السياسي يحدد طبيعة الرد، ويؤثر في قدرة الحكومات على بناء موقف مشترك. وتلفت مولر إلى أن ألمانيا تقدم مثالًا على هذا النهج بعد تحميل برلين روسيا مسؤولية الهجوم الهجين على مطار لايبزيغ في الشهر الفائت، ثم اعتماد إجراءات دبلوماسية وأمنية وصفتها الحكومة بأنها متناسبة ومصممة لرفع الحماية مع تفادي التصعيد العسكري. يضع ذلك الخط الأحمر الفعلي عند تقاطع 3 عناصر، هي: وضوح التعمد، وحجم الخسائر، وطبيعة الهدف، إذ تستطيع حادثة جوية محدودة أن تبقى ضمن أدوات الاعتراض، والاحتجاج، والتعزيز العسكري، فيما ستنقل ضربة مؤكدة توقع قتلى أو تصيب قاعدة تابعة للناتو القرار إلى مجلس شمال الأطلسي، وتفتح مسارًا مختلفًا تمامًا للحسابات العسكرية والسياسية. وتزداد أهمية هذه الضوابط مع تعزيز الناتو جناحه الشرقي عبر 9 مجموعات قتالية متعددة الجنسيات ودوريات جوية ومنظومات دفاع ومراقبة بحرية، فيما يواصل الحلف تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، لذلك أصبح منع الخطأ في التقدير جزءًا أساسيًا من الردع نفسه، لأن كثافة القوات والطائرات والسفن تجعل المسافة بين حادث محدود وأزمة واسعة أقصر مما كانت عليه خلال المراحل السابقة للحرب.