اختبار الردع الأطلسي.. هل يتفكك حلف الناتو عبر هجوم روسي محدود؟

اختبار الردع الأطلسي.. هل يتفكك حلف الناتو عبر هجوم روسي محدود؟


تزايدت في واشنطن والعواصم الأوروبية خلال الأسابيع الأخيرة التحذيرات من احتمال أن تحاول روسيا اختبار تماسك حلف شمال الأطلسي «الناتو» عبر عملية محدودة ضد إحدى دوله، بدلًا من شن هجوم واسع قد يقود مباشرة إلى مواجهة مفتوحة مع الحلف. 
وتحدثت تقييمات استخباراتية أمريكية حديثة عن مجموعة من السيناريوهات، تبدأ بعمليات سيبرانية وتخريبية وهجمات هجينة، وقد تصل إلى توغل عسكري محدود في أراضي دولة عضو.  

المادة الخامسة.. قوة
 الردع وحدودها
كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن التقييمات الأمريكية الجديدة ترى أن روسيا قد تكون أكثر استعدادًا لاختبار الحلف خلال الفترة المقبلة، بينما نقلت شبكة «سي إن إن» عن ثلاثة مصادر مطلعة أن السيناريوهات المطروحة تشمل هجمات إلكترونية وعمليات تخريب وصولًا إلى عمل عسكري محدود. 
وأوضحت الشبكة أن دول البلطيق وبولندا من بين المناطق التي أُثيرت في هذه التقييمات، مع بقاء الهجوم البري المباشر السيناريو الأقل ترجيحًا بسبب مخاطره التصعيدية. وتنص المادة الخامسة من معاهدة الناتو على أن الهجوم المسلح على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع أعضاء الحلف، لكن تطبيقها لا يعني تلقائيًا شن عملية عسكرية موحدة، فالمعاهدة تترك لكل دولة تحديد الإجراءات التي تعتبرها ضرورية، وهو ما يمنح الحكومات هامشًا في تحديد طبيعة الرد. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في حالة هجوم روسي محدود أو ملتبس، فعملية تستهدف منشأة صغيرة، أو منطقة حدودية محدودة، أو بنية تحتية حيوية، قد تضع الحلف أمام خلاف حول طبيعة الهجوم والجهة المسؤولة عنه وحجم الرد المطلوب. وتحذر تقييمات الخبراء التي نقلتها «سي إن إن» من أن موسكو قد تستفيد من هذه المساحة لاختبار رد الفعل الغربي، خصوصًا إذا أمكن تنفيذ العملية بطريقة تبقيها دون مستوى التصعيد الذي يجعل الرد العسكري الجماعي أمرًا لا مفر منه.

تحذيرات دول البلطيق
لا تقتصر المخاوف على أجهزة الاستخبارات الأمريكية. ففي 15 يوليو-تموز، قال الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسيدا إن معلومات استخباراتية تشير إلى احتمال تخطيط روسيا لاستهداف بنية تحتية حيوية في دول البلطيق أو بولندا، لكنه أوضح أن التقييمات لم تحدد موقعًا أو موعدًا محددًا. كما نقلت وسائل إعلام غربية أن الرئيس اللاتفي إدغارس رينكيفيتش حذر بدوره من احتمال أن تسعى موسكو إلى اختبار المادة الخامسة وآليات الاستجابة داخل الناتو والاتحاد الأوروبي، حتى إذا لم تحقق روسيا نصرًا كاملًا في أوكرانيا. 
وردت موسكو على هذه التحذيرات باتهام الدول الأوروبية باستخدام «التهديد الروسي» لتبرير تعزيز وجود الناتو العسكري في منطقة البلطيق.
 من الهجوم العسكري
 إلى المنطقة الرمادية
وتأتي هذه التحذيرات في ظل سلسلة من الحوادث التي عززت المخاوف الأوروبية من تصاعد الحرب الهجينة الروسية.
وفي ألمانيا، عثر موظفون في مطار لايبزيغ-هاله في 5 أغسطس-آب على طائرة مسيّرة مزودة بمتفجرات قرب طائرة شحن أوكرانية، بينما اصطدم جسم آخر بطائرة شحن تابعة لشركة DHL وألحق بها أضرارًا محدودة. 
وذكرت «وول ستريت جورنال» أن تقييمًا استخباراتيًا أمريكيًا ربط الطائرة المسيّرة بروسيا، فيما واصلت السلطات الألمانية التحقيق في الحادثة.
وفي بولندا، شهدت الأشهر الماضية حوادث مرتبطة بطائرات مسيّرة وأعمال تخريب استهدفت منشآت وبنية تحتية، وسط مخاوف متزايدة من أن تستخدم موسكو عمليات محدودة لاختبار قدرة الدول الأوروبية على حماية منشآتها الحيوية من دون الانتقال إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وفي تحليل نشره مركز أبحاث (GLOBSEC) في يناير-كانون الثاني الماضي، حذر باحثون من أن تصاعد الحرب الهجينة الروسية قد يضع أوروبا أمام مشكلة تحديد «عتبة الرد»، خصوصًا في الحالات التي يصعب فيها إثبات مسؤولية موسكو بصورة فورية. ويرى المركز أن غموض الرد الأوروبي يمكن أن يوفر لروسيا مساحة أكبر للمناورة.

برلين تحذر من 
اختبار وحدة الغرب
قبل التقييمات الأمريكية الأخيرة، حذر رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND) برونو كال من توسع روسيا في استخدام أدوات الحرب الهجينة، بما فيها التخريب والهجمات السيبرانية والتضليل.
وعام 2025، قال كال إن موسكو تبدو مستعدة لاختبار وحدة الناتو والدفاع الجماعي، معتبرًا أن الهدف الروسي لا يقتصر على إلحاق أضرار مادية، بل يشمل اختبار مدى استعداد الدول الغربية للوقوف معًا عند تعرض أحد أعضائها للضغط.
من جهتها قالت باحثة الأمن في بولندا، بولينا بياسيكا، إن عمليات التخريب يمكن أن تستهدف إضعاف قدرة البلاد على دعم أوكرانيا، وكذلك التأثير في استعداد الرأي العام لمواصلة هذا الدعم. 
ووفق تحليل (GLOBSEC)، فإن استمرار العمليات التي تقع تحت عتبة الحرب التقليدية يفرض على الناتو تطوير آليات رد واضحة لا تعتمد فقط على المادة الخامسة بصيغتها التقليدية. 

هل تستطيع الولايات المتحدة التعويض سريعًا؟
هناك عامل آخر يدخل في حسابات الردع، يتعلق بالمخزونات العسكرية الأمريكية، ففي تقرير نشرته نيويورك تايمز في أغسطس/آب الجاري، أفادت مصادر بأن الولايات المتحدة استهلكت خلال الحرب مع إيران كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى، إلى جانب ذخائر ومنظومات دفاع جوي أخرى. ورغم أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على الدفاع عن حلفائها، لكنه يسلط الضوء على الضغوط التي تواجهها مخزونات الأسلحة الأمريكية بعد سنوات من الدعم العسكري لأوكرانيا والعمليات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، يحاول الناتو معالجة جانب من هذه المشكلة عبر زيادة الإنتاج وعمليات الشراء المشتركة.
وأعلن الحلف في يوليو-تموز عن مبادرات متعددة الجنسيات لتطوير قدرات الضربات بعيدة المدى والذخائر، إلى جانب استثمارات جديدة في مواجهة الطائرات المسيّرة، في إطار مساعٍ لتعزيز قدرة الدول الأعضاء على التعامل مع صراع طويل وعالي الكثافة.
 وحتى الآن، لا تقدم التقييمات المنشورة دليلًا على أن موسكو اتخذت قرارًا نهائيًا بشن هجوم على دولة عضو في الناتو، لكنها تشــــــير إلى تغيـــــــر في تقدير أجهزة غربية لطبيعة المخاطر المحتملة، خصوصًا إذا انتهت الحرب في أوكرانيا أو دخلت مرحلة تسمح لروسيا بإعادة توزيع جزء من قدراتها العسكرية.