مع الوَعْدِ بالتَصرُف بحكمةٍ و مسؤولية :
التهديدُ النووي، تَحدٍ دائمٍ من الكرملين للغرب
بعد أربع سنوات من غزو أوكرانيا، لا تزال موسكو تلوّح بالتهديد النووي. وقد رددت مدونات تستخدم الحرف "Z"، رمز الجيش الروسي والمجتمع القومي، مؤخراً تقارير استخباراتية أجنبية يُزعم أنها حصرية: لندن وباريس على وشك تزويد النظام "النازي" في كييف سراً بأسلحة نووية. وحذّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 24 فبراير، ذكرى الغزو، خلال اجتماع لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي "لن يتوانى العدو عن فعل أي شيء. يجب أن يفهموا كيف يمكن أن ينتهي هذا الأمر". وكان الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف، نائب أمين مجلس الأمن حالياً، أكثر تهديداً: "ستُجبر روسيا على استخدام جميع أسلحتها النووية، بما فيها غير الاستراتيجية، ضد أهداف في أوكرانيا تُشكّل تهديداً لبلادنا. وإذا لزم الأمر، ضد الدول المُورّدة التي تُصبح متواطئة في صراع نووي مع روسيا".
ويناقش مستشار الكرملين سيرغي كاراغانوف، الذي يرتدي دبوساً على شكل رأس حربي نووي على طية صدر سترته، استخدام الأسلحة النووية بانتظام وعلانية، واصفاً إياه بأنه "خطيئة ضرورية لإنقاذ البشرية". في كتاباته ومقابلاته، ألمح إلى توجيه ضربة نووية محدودة لإجبار الغرب على التراجع في أوكرانيا، ومنع اندلاع حرب عالمية ثالثة، و"إعادة النخب الأوروبية إلى رشدها". و قام الكرملين بالفعل، بموجب مرسوم صدر في 19 نوفمبر-تشرين الثاني 2024 - أي بعد ألف يوم من غزو أوكرانيا - بتشديد عقيدته النووية. وكانت النسخة السابقة، الصادرة عام 2020، تنص على أن روسيا ستستخدم ترسانتها في حال وقوع هجوم، نووي أو تقليدي، "يهدد وجود الدولة". أما الآن، فيمكن اعتبار أي هجوم تشنه دولة غير نووية، ولكن "بمشاركة أو دعم دولة نووية"، عدوانًا "مشتركًا"، قد يستدعي ردًا نوويًا. وستُطبق العقيدة الجديدة، على وجه الخصوص، في حال وقوع هجوم جوي "واسع النطاق". والتلميح إلى أوكرانيا والدعم الغربي، مع المفاوضات بشأن تسليم أسلحة بعيدة المدى، واضحٌ جليّ.
تذكر إيزابيل فاكون، الباحثة الرئيسية في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية، أن "روسيا وضعت عملياتها في أوكرانيا منذ البداية في "بيئة نووية"، بهدف منع التدخل المباشر من جانب الدول الغربية". كما ترى فاكون في ذلك "موردًا سياسيًا للتأثير على الرأي العام الغربي".
الحفاظ على الغموض
الهدف: تخويف الغرب. يسعى فلاديمير بوتين، من خلال تحذيراته المعتادة، إلى الحفاظ على الغموض لضمان سيطرته الكاملة. يحذر كيريل روغوف، الباحث في معهد العلوم الإنسانية في فيينا، قائلاً: "يلعب الكرملين لعبة ثلاثية الأبعاد. فبصفتها قوة عظمى نووية، تستخدم روسيا الردع النووي للتغطية على عدوانها التقليدي، وتجرؤ على غزو دولة أخرى دون المخاطرة بهزيمة كاملة".يشكل هذا تحديًا للتحالف الغربي: هل سترد الولايات المتحدة، كما فعلت خلال الحرب الباردة، على استخدام سلاح نووي تكتيكي ضد دولة أوروبية، مما يُنذر بتصعيد إلى صراع استراتيجي؟ علاوة على ذلك، يُمثل احتمال تشكيل تحالف نووي بين روسيا والصين تحديًا جديدًا لواشنطن. ومع انتهاء صلاحية معاهدة "ستارت الجديدة"، وهي الاتفاقية الأخيرة التي حددت ونظمت عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي تمتلكها الولايات المتحدة وروسيا، في 5 فبراير، سعت موسكو إلى طمأنة الرأي العام. وصرح يوري أوشاكوف، المستشار الدبلوماسي للكرملين، في ذلك اليوم: "سنتصرف بحكمة ومسؤولية". في الواقع، تم تعليق آلية التفتيش المتبادل للترسانات منذ عام 2023 بسبب الحرب في أوكرانيا. وفي سبتمبر 2025، اقترح بوتين، دون جدوى، تمديد معاهدة "ستارت الجديدة" لمدة عام مقابل التخلي عن مشروع "القبة الذهبية"، وهو مشروع أمريكي ضخم للدفاع الصاروخي الفضائي. مشروعٌ يُنظر إليه كتهديد من قِبل موسكو، التي تسعى لمنافسة الولايات المتحدة بتنويع ترسانتها. ويُروّج بوتين بانتظام، مدعوماً بمقاطع فيديو، لصاروخ "بوريفستنيك" النووي الجوال، ونظيره "بوسيدون" الذي يُطلق من الغواصات، والطائرة الشراعية "أفانغارد" فرط الصوتية، التي يُزعم أن مداها يصل إلى 6000 كيلومتر.