بضغط روسي.. معادلة «تفاوض ثلاثي» تقصي أوروبا عن ملف أوكرانيا

بضغط روسي.. معادلة «تفاوض ثلاثي» تقصي أوروبا عن ملف أوكرانيا


بينما تتواصل مفاوضات جنيف بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، لا يقتصر المشهد على بحث وقف إطلاق النار أو مستقبل الأراضي المتنازع عليها، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بهندسة طاولة التفاوض نفسها، من يقرر؟ ومن يُستبعد؟  
وانتقلت الجولة الحالية من بحث الجوانب التقنية لوقف إطلاق النار إلى مناقشة "طيف واسع من القضايا الجوهرية"، وعلى رأسها مستقبل "الأراضي الأوكرانية المحتلة".
وحضر الوفد الروسي برئاسة فلاديمير ميدينسكي بتمثيل موسع للمرة الأولى ضم شخصيات أمنية واستخباراتية واقتصادية، في إشارة إلى أن موسكو تتعامل مع المسار التفاوضي باعتباره حزمة متكاملة تشمل الأمن والاقتصاد وإعادة ترتيب العلاقات مع واشنطن.
وفي المقابل، شارك مبعوثون أمريكيون بارزون في إدارة الرئيس دونالد ترامب، فيما تمسكت كييف بمطالب تتعلق بضمانات أمنية صلبة وآليات واضحة للرد في حال خرق أي اتفاق.
الغياب الأوروبي ظل هو العنصر الأبرز، خاصة أن الكرملين أعلن صراحة أن الدول الأوروبية الغربية لن تكون ممثلة، مبررًا ذلك بأن الاتحاد الأوروبي "طرف منحاز" يضخ السلاح والتمويل لكييف.
ووصف وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أوروبا بأنها "العقبة الرئيسية أمام السلام".
ومن جهته شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن أمن القارة لا يمكن أن يُبحث دون مشاركة أوروبية، ودعا إلى أن تكون أوروبا شريكًا في أي تسوية، لا مجرد متلق لنتائج تفاهمات بين قوى كبرى.
وكشفت صحيفة واشنطن بوست، أن الطروحات الأمريكية في مراحل سابقة تضمنت ترتيبات تتعلق بإقليمي دونباس والقرم وتجميد خطوط التماس، وهي قضايا تمس جوهر السيادة الأوكرانية وتوازن الأمن الأوروبي.
ويرى الخبراء أن مسار الحرب في أوكرانيا بات يتجاوز حدود الصراع العسكري ليصل إلى إعادة رسم خريطة التفاوض الدولي، مشيرين إلى أن موسكو تسعى بوضوح إلى إبعاد كييف عن الفلك الغربي وفرض صيغة تفاوضية جديدة تقوم على معادلة "ثلاثية" تضم روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، مع تقليص أو إقصاء الدور الأوروبي.
المحلل السياسي الخبير في الشؤون الأوروبية، إبراهيم كابان، أكد أن جوهر التحرك الروسي لا ينفصل عن هدف إستراتيجي طويل الأمد يتمثل في إعادة تعريف موقع أوكرانيا داخل المنظومة الدولية، وإبعادها عن الفلك الغربي بصورة نهائية.
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، رأى كابان أن موسكو لا تتعامل مع الحرب باعتبارها صراعًا حدوديًّا تقليديًّا، بل معركة كسر عظم جيوسياسي هدفها منع تكريس انتماء كييف الكامل إلى أوروبا والولايات المتحدة.
وأشار إلى أن المقاربة الأوروبية مختلفة جذريًّا، إذ تنظر العواصم الأوروبية إلى أي انتصار روسي باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمن أوروبا الشرقية، بما يعني عمليًّا اقتراب النفوذ الروسي من حدود الاتحاد الأوروبي.
ولفت إلى أن ما يُوصف بـ"التقاعس الأمريكي" في بعض المراحل فتح شهية موسكو لمحاولة فرض معادلة تفاوضية جديدة تقوم على تقاسم النفوذ بين القوى الكبرى، بحيث يتم إخراج الاتحاد الأوروبي من دائرة القرار الفعلي.
وتابع: "نحن أمام مرحلة إعادة تشكيل للنظام الدولي، حيث تحاول روسيا فرض وقائع تفاوضية جديدة، فيما تسعى أوروبا إلى منع تكريس إقصائها من مستقبل أوكرانيا وأمن القارة بأكملها". 
من جانبه، أكد رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، الدكتور عماد أبو الرب، أن أي مقاربة واقعية للأزمة الأوكرانية يجب أن تنطلق من حقيقة أن أوروبا تمثل الشريك الطبيعي والأقرب لكييف، سواء بحكم الجغرافيا أو الروابط السياسية والاقتصادية الممتدة.
وقال في تصريحات لـ"إرم نيوز" إن أوكرانيا ترتبط بحدود مباشرة مع خمس دول أوروبية، ما يجعل استقرارها جزءاً لا يتجزأ من الأمن الأوروبي، خاصة أنه لا يمكن تجاهل أن روسيا طرف أساسي بحكم الجوار الجغرافي والامتداد الحدودي الطويل الذي يتجاوز ألف كيلومتر، وهو ما يفرض معادلة معقدة لا تحتمل الإقصاء الأحادي.
ورأى أبو الرب أن الحديث عن "إقصاء أوروبا" من أي مسار تفاوضي يحمل مخاطر كبيرة؛ لأن الاتحاد الأوروبي ليس مجرد طرف داعم، بل هو شريك في المعادلة الأمنية والسياسية والاقتصادية لأوكرانيا.
وأضاف أن أي صيغة تفاوضية تُبنى على تحييد طرف رئيسي قد تحقق مكاسب مرحلية، لكنها لن تؤسس لسلام دائم، فالتسويات المفروضة أو الناقصة قد تؤدي إلى تجميد الصراع لا إنهائه؛ ما يفتح الباب أمام جولات تصعيد لاحقة ربما تكون أكثر خطورة.