بعد تقليص الالتزامات الأمريكية.. هل تتجه أوروبا لتفاهمات مع روسيا؟

بعد تقليص الالتزامات الأمريكية.. هل تتجه أوروبا لتفاهمات مع روسيا؟

يسير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسرعة غير مسبوقة، في فك التحالف التاريخي الوثيق مع الأوروبيين الذي بنت عليه الولايات المتحدة أسس القطب الأوحد، حيث تتعاظم خطواته بذلك، والتي كان آخرها إلغاء نشر 4 آلاف جندي أمريكي في بولندا.
وأثار هذا التصرف، تساؤلات واسعة حول حقيقة تعزيز هذه الخطوة تقليص التزام واشنطن العسكري التقليدي تجاه أوروبا، وكشف ذلك أبعاد تقارب ترامب مع طموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إضعاف الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، ومدى تناغم ذلك مع طموحات الكرملين.
ويوضح مراقبون، أن هذه الخطوة قد تفتح الطريق لأولى الخطوات أمام الأوروبيين، للذهاب إلى تفاهمات أمنية بين دول القارة العجوز وروسيا، تراعي الشواغل الأمنية لموسكو وبروكسل، بعد أن خرجت الولايات المتحدة عن التزاماتها التاريخية.
وقال الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور محمد أبو العينين، إن ترامب يسعى بأي شكل للوصول إلى ما يطلق عليه إضعاف الجناح الشرقي لأوروبا، في محاولة للضغط على القارة العجوز للحصول على التنازلات.
وأضاف أبو العينين لـ»إرم نيوز»، أن الرئيس الأمريكي عندما يلجأ لأدوات سياسية بأيّ حال من الأحوال، تفتقر للعقل الإستراتيجي، يترتب على ذلك، نتائج عكس ما كان يسعى إليها.
وتابع أن «الضغط على أوروبا بما يتماشى مع متطلبات بوتين، حقق أهداف توقف الاعتماد على المظلة الأمريكية، كذلك ما يتعلق بمشروعات تتعلق بالإنترنت والذكاء الاصطناعي، ومشاريع متعلقة بالمنظومة المالية وهذا لا يؤدي إلى إضعاف أوروبا بل الولايات المتحدة على المدى القريب»، وفق تقديره.
ولفت إلى أن أوروبا لديها الأدوات الكثيرة التي تستطيع من خلالها تعويض ما يمكن تسميته المظلة التي توفرها واشنطن. واعتماد القارة العجوز على نفسها في تدبير مظلة الحماية والشبكة المالية، سيؤدي إلى مضاعفة استقلالها؛ ما سيحمل جوانب سلبية للولايات المتحدة. ويرى المحاضر في العلوم السياسية والباحث في مركز البحوث العلمية التطبيقية والاستشارية في موسكو ميرزاد حاجم، أن قرار سحب 4 آلاف جندي أمريكي من بولندا، ليس مجرد إعادة انتشار روتينية، بل هو زلزال هادئ يضرب صلب العقيدة الأمنية الأوروبية.
واعتبر حاجم في تصريحات لـ»إرم نيوز»، أن ما يظهر حاليًّا، هو أن واشنطن، وتحديدًا الإدارة الحالية، لم تعد تنظر إلى أوروبا كحليف إستراتيجي يستحق التضحية اللامحدودة، بل كـ»عبء مالي» ثقيل، في حين أن الناتو يتحوّل في العقل الأمريكي تدريجيًّا من تحالف أمني لا مساس به، إلى نموذج أشبه بـ «بوليصة تأمين» تتطلب دفع الفواتير مقدمًا. 
ويشير حاجم إلى أن هذا التراجع يعكس رغبة أمريكية حقيقية في فك الارتباط بالمشهد الأوروبي المرهق، لتوفير الموارد العسكرية والمالية للمعركة التي تؤرق واشنطن حقًّا، وفي صدارتها التصدي للصعود الصيني في المحيطين الهندي والهادي.
​أما في ما إذا كان هذا التراجع الأمريكي يمثل «تقاربًا» بين ترامب وبوتين، فيؤكد أن الأمر لا يتعلق بوجود تفاهمات سرية أو تعاطف شخصي، مشيرًا إلى أن السياسة هنا تُبنى على الحسابات الباردة والواقعية المطلقة، وليس على العواطف. 
وبيَّن أن ما يحدث فعليًّا هو التقاء موضوعي للمصالح بشكل غير مقصود، حيث يرفع ترامب شعار الانعزال وتقليل النفقات الخارجية لخدمة قاعدته الداخلية، بينما موسكو طالما اعتبرت تمدد الناتو شرقًا وتحويل دول، مثل: بولندا، إلى رأس حربة عسكرية، تهديدًا وجوديًّا لأمنها القومي.
​واستكمل أنه عندما تخفف واشنطن قبضتها وتضعف الجناح الشرقي للناتو طواعية، فهي عمليًّا ترفع عن كاهل روسيا جزءًا كبيرًا من الاستفزاز العسكري المباشر على حدودها، لافتًا إلى أن هذا الانكماش الأمريكي يمنح موسكو مساحة مريحة لإعادة ترتيب أوراقها، وتأمين عمقها الإستراتيجي بهدوء. 
وخلُص إلى أن هذا المشهد يثبت أن المراهنة الأوروبية العمياء على استدامة «المظلة الأمريكية» كانت رهانًا ساذجًا، واليوم تترك القارة العجوز لتواجه واقعها الجديد، بينما تعاد صياغة موازين القوى في القارة الأوراسية لصالح من يجيد الصبر وقراءة التحولات.