عبدالله بن زايد ووزير خارجية البحرين يبحثان هاتفياً التطورات الإقليمية
بعد 4 سنوات في الحكم.. هل أتقنت ميلوني فن البقاء؟
في خريف عام 2022، حين أدّت جورجيا ميلوني اليمين رئيسةً للوزراء، بدا للكثيرين أن أوروبا على موعد مع تجربة سياسية استثنائية، ربما تُعيد رسم ملامح القارة من أقصى جنوبها. امرأة من خلفية يمينية متطرفة، ثقلت خطابها السياسي على أوتار رفض الهجرة، والدفاع عن القيم التقليدية، تتسلّم مقاليد ثالث اقتصاديات منطقة اليورو. لكن بعد 4 سنوات من الحكم، يقف المراقبون أمام مشهد لا يُشبه ما كان متوقعاً، ويتساءلون: هل خانت ميلوني وعودها، أم أنها أتقنت فن البقاء؟
الأرقام تحكم
بحسب التحليل الذي نشرته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، يُفيد أحدث استطلاعات الرأي بأن حزب «إخوة إيطاليا «Fratelli d>Italia» يحظى بنحو 28% من نوايا التصويت، أي نقطتين إضافيتين فوق ما ناله في انتخابات 2022، وسبع إلى ثماني نقاط تفصله عن أقوى أحزاب المعارضة. أرقام تُجسّد نجاحاً انتخابياً لا يُمكن إنكاره، كما أنه في مطلع سبتمبر الماضي، تخطّت ميلوني حاجزاً تاريخياً، متجاوزةً رقماً لزعيم اليمين الإيطالي الراحل سيلفيو برلسكوني في طول البقاء على رأس الحكومة. غير أن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة.
بين الخطاب والواقع
يُلخّص جيوفاني أورسينا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة لويس-غيدو كارلي الإيطالية، التجربة الميلونية بعبارة لاذعة لا تخلو من دقة:
«ميلوني لا تقود ثورة، بل تُدير مواقف: تتحرك حين تُضطر، وتُلوّن خطابها بالقيم اليمينية كلما أتاح لها الوضع ذلك». ما كانت تبشّر به ميلوني في حملاتها الانتخابية كان مختلفاً تماماً، الثورة المحافظة الكبرى لم تأتِ، وسياسة الأجندة القيمية التي كانت تطبع خطاباتها تراجعت أمام متطلبات الحكم. وحين واجهت البرلمان في خطاب الثقة الأول، اختارت أن تُلقي حجر الزاوية لشرعيتها الديمقراطية، فتبرّأت من سنوات الشباب التي قضتها في رحاب اليمين الفاشي الجديد، ووصفت قوانين العنصرية عام 1938 بأنها «أحط لحظة في التاريخ الإيطالي».
الاقتصاد..
استقرار بلا إصلاح
على الصعيد المالي، اختارت ميلوني مساراً وصفه المؤيدون بالرصانة، وانتقده الخصوم بوصفه جُبناً إصلاحياً. استمرّت في المسار الذي رسمه سلفها ماريو دراغي لضبط العجز المالي، ونجحت تدريجياً في إعادة العجز الموازني إلى حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي، في خطوة نالت إشادة وكالات التصنيف الائتماني والأسواق المالية.
بيد أن المؤرخ مارك لازار يُنبّه إلى أن هذه «المعجزة» قد تكون وهماً. ففي تقرير معهد مونتيني الصادر عن الحكومات الشعبوية، يُشير إلى أن الاستقرار الاقتصادي الإيطالي يستند بصورة رئيسة إلى ما حصلت عليه روما من 200 مليار يورو في إطار خطة التعافي الأوروبية ما بعد الجائحة، وهي خطة تنتهي في أغسطس 2026. ويُضاف إلى ذلك ما ترصده فيرونيكا دي روماني، أستاذة الاقتصاد في لويس-غيدو كارلي، من أن ميلوني أضاعت فرصة تاريخية لا تُعوَّض لإصلاح عميق للبنية الاقتصادية الإيطالية.
فبدلاً من إعادة النظر في أكثر من 625 إعفاءً ضريبياً تُكلّف الخزينة نحو 100 مليار يورو سنوياً، أو الاستثمار في منظومة التعليم لرفع الإنتاجية، آثرت الحفاظ على توازن المصالح الفئوية.
ملف الهجرة..
نجاح منقوص
قدّمت الحكومة ملف الهجرة غير النظامية بوصفه إنجازها الأبرز، والأرقام توحي بذلك من أول نظرة: تراجع الوافدين من 150 ألفاً عام 2023 إلى 66 ألفاً العام الماضي. وقد شكّلت قيود عمل المنظمات غير الحكومية في البحر الأبيض المتوسط سلاحاً قانونياً في يد الحكومة، إذ باتت سفنها مُلزَمة بعمليات إنقاذ محدودة وإنزال الناجين في موانئ بعيدة. لكن مارتا سانشيز ديونيس، المسؤولة في منظمة SOS المتوسط، تُحذّر من أن هذه الاستراتيجية تُضيّق هامش الفعل الإنساني وترفع مستوى المخاطر للمهاجرين، وهو ما تُعبّر عنه أرقام الوفيات المرتفعة في البحر مطلع العام الحالي. فضلاً عن ذلك، تعثّر مشروع مراكز اللجوء خارج أوروبا؛ إذ اضطرّ مركز الاحتجاز الذي شيّدته روما في ألبانيا إلى تعليق نشاطه بموجب قرار قضائي.
الحكم القبلي
وغياب الرؤية
وتقول «لوفيغارو» لعل أعمق إشكاليات التجربة الميلونية تتجلّى في ما يصفه المحللون بـ»النمط القبلي» في إدارة الحكم. قادة حزب «إخوة إيطاليا» الأساسيون يعود أغلبهم إلى شبكة علاقات واحدة تكوّنت في أقسام اليمين الروماني، ما يُفضي إلى انغلاق وعدم الثقة بالخبرات الخارجية. وتُقرّ الحليفة الرئاسية ستيفانيا كراكسي بذلك صراحةً حين تقول: «لو أردت أن أنتقدها، لقلت إنها تتصرف كزعيمة عصابة لا كزعيمة ائتلاف حكومي». وقد ترتّب على ذلك إخفاقات في السياسة الثقافية، من تعيينات مثيرة للجدل في مناصب بارزة إلى اتهامات بالتدخل في شؤون التلفزيون العام الإيطالي «راي»، وهو ما نفته ميلوني.
ثورة بلا مشروع
يُلخّص أورسينا المفارقة قائلا: «رغم أنها وصلت إلى السلطة على موجة ثورة قومية مضادة، فإنها لا تُقدّم رؤية واضحة للنظام البديل الذي تريد إقامته. بعد أربع سنوات، تواصل تقديم نفسها كخارج عن المؤسسة». وهكذا تبقى ميلوني بين ضفّتين، لا هي بالثائرة التي غيّرت قواعد اللعبة الأوروبية، ولا هي الكابوس الليبرالي الذي كان البعض يتوقعه. بل حاكمة باقية، تُجيد إدارة التوقعات والتسويف، في بلد يُعاني من شحّ الإصلاح وفائض الأزمات، وربما يكون هذا التوصيف وحده كافياً لقياس نجاحها الفعلي في بلد اعتاد تقلّبات الحكومات مثل تقلّبات فصوله السنوية.