رئيس الدولة يبدأ اليوم زيارة إلى الهند ويبحث مع مودي علاقات التعاون
بعد 4 سنوات من الحرب.. روسيا تتحدى العقوبات وتزدهر في الجنوب العالمي
عندما فرضت الدول الغربية عقوبات واسعة على روسيا بعد حربها ضد أوكرانيا في فبراير 2022، توقع الكثير أن تواجه موسكو عزلة دولية عميقة، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك، إذ نجحت في إعادة توجيه سياساتها نحو الجنوب العالمي، وتعزيز شراكاتها مع الاقتصادات الناشئة.
وفي الأيام الأولى للحرب الروسية الأوكرانية، ارتفع عدد العقوبات المفروضة على روسيا نحو 10 أضعاف، شملت آلاف الأفراد والكيانات، فضلًا عن سفن أسطول الظل، وهو ما حرم موسكو من الوصول إلى نحو 450 مليار دولار منذ فبراير 2022.
ورغم هذه العقوبات والمحاولات الأوروبية، إلا أن الاقتصاد الروسي أظهر مرونة ملحوظة، فبعد معدل نمو بلغ 3.6% في نهاية 2024، استقر عند 0.6٪ في الربع الثالث من 2025، مع توقعات باستمرار النمو بنسبة 1.5 إلى 2% هذا العام.
وخلال الأعوام الماضية، عززت موسكو شراكاتها مع الصين والهند، حيث بلغ حجم التبادل التجاري مع الصين 237 مليار دولار في 2023، وزادت الصين وارداتها من أشباه الموصلات الروسية بنسبة تفوق 90% من جميع الواردات.
وفي الهند، بلغت واردات النفط الروسي نحو 2 مليون برميل يوميًا في أبريل 2025، ما أتاح لها إعادة تصدير المنتجات المكررة إلى أوروبا وتخفيف تأثير العقوبات الغربية.
كما وسعت روسيا تحالف بريكس ليشمل مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات وإندونيسيا، ما رفع تأثير دول الجنوب العالمي إلى نحو 60٪ من الاقتصاد العالمي، مع إنشاء آليات لتسويات تجارية بالعملات المحلية تعزز من استقلالية موسكو المالية.
وشهدت السنوات الماضية، عقد موسكو مؤتمرات وزارية مع أكثر من 50 دولة إفريقية؛ لتعزيز التعاون الاستراتيجي، كما عززت علاقاتها مع فنزويلا وكوبا والبرازيل ونيكاراغوا، ما أدى إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي خارج أوروبا وأمريكا.
صادرات الطاقة
وأسطول الظل
تمثل صادرات النفط والغاز شريان الحياة الاقتصادي لروسيا، حيث تم نقل نحو 68% من النفط عبر أسطول الظل، ما ساعد في تحييد تأثير العقوبات الغربية على الإيرادات.
وأكد الخبراء أن روسيا تمكنت من الصمود أمام العقوبات الغربية بفضل شبكة علاقاتها الدولية الواسعة وشراكاتها الاقتصادية مع دول الجنوب العالمي وعلى رأسها الصين والهند، حيث ساعدتها هذه العلاقات في استمرار الاقتصاد الروسي رغم التحديات.
وأشار الخبراء في تصريحات لـ»إرم نيوز» إلى أن موسكو استغلت علاقاتها بدول إفريقيا وجنوب شرق آسيا؛ لتقديم مساعدات استراتيجية مثل القمح، واعتمدت على أطر مؤسسية دولية مثل مجموعة «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون.
الالتفاف على العقوبات
وقال إيفان يواس، مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، إنه منذ بداية التطبيق المكثف للعقوبات الغربية، كان من الواضح أن روسيا تمتلك بعض البدائل والخيارات للالتفاف على هذه العقوبات، مستندة في ذلك إلى شبكة علاقاتها واتصالاتها الواسعة داخل الاقتصاد العالمي.
وكشف يواس لـ»إرم نيوز» أن الاقتصاد العالمي شهد تغيرات جوهرية خلال الخمسة والعشرين عامًــــا الماضية، موضحًا أنه قبل ربع قرن كانت دول مجموعة السبع الكبرى (G7) تستحوذ على ما يقرب من 60.5% من حجـم الاقتصاد العالمي، في حين تراجعت هذه النســــــبة حاليًا إلى نحو 45% فقط.
وأشار إلى أن هذا التراجع يقابله صعود واضح لدول الجنوب العالمي، وعلى رأسها الصين والهند، اللتين نجحتا في زيادة حصتهما من الاقتصاد العالمي بشكل ملحوظ.
ولفت إلى أن العلاقات الجيدة التي تربط روسيا بهاتين الدولتين لعبت دورًا مهمًا في مساعدة موسكو على تجاوز جزء من الضغوط والمشكلات التي واجهتها نتيجة المواجهة مع العالم الغربي.
وأضاف مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، أن هذه العلاقات أسهمت من جهة في دعم استمرار الاقتصاد الروسي، إلا أنها من جهة أخرى فرضت على روسيا ظروفًا خاصة ومعقدة.
وأعطى مثالًا على ذلك بالعلاقات الاقتصادية بين روسيا والهند، حيث جرى الاتفاق على تسوية جزء كبير من المدفوعات الخاصة بالصادرات الروسية باستخدام الروبية الهندية بدلًا من الدولار أو اليورو.
ضغط العقوبات الغربية
وأكد إيفان يواس أن هذا الترتيب المالي تسبب في مشكلة كبيرة للاقتصاد الروسي، موضحًا أن حجم الأموال التي تلقتها روسيا من الهند بالروبية قبل عامين كان يعادل نحو 39 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم يصعب على موسكو الاستفادة منه بصورة فعالة داخل الأسواق العالمية.
وأكد مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني أن هذه الاتصالات والشراكات الدولية مكّنت روسيا من الاستمرار والصمود تحت ضغط العقوبات الغربية خلال السنوات الماضية، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن مستقبل هذا الوضع لا يزال غير مضمون.
وأوضح أن الاقتصاد الروسي لا يمر حاليًا بأفضل مراحله، كما أن شركاءه الرئيسين، وعلى رأسهم الصين والهند، يستغلون حاجة موسكو إليهم من أجل المطالبة بمزيد من التنازلات في مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري.
من جانبه، أكد نبيل رشوان، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، أن الحديث عن عزل روسيا دوليًا حديث غير دقيق، موضحًا أن موسكو تمتلك شبكة علاقات واسعة ومتنوعة تجعل من الصعب فرض عزلة حقيقية عليها.
علاقات إقليمية واسعة
وأشار رشوان في تصريحات لـ»إرم نيوز» إلى أن روسيا ترتبط بعلاقات جيدة مع العديد من دول قارة إفريقيا وجنوب شرق آسيا، إضافة إلى علاقات قوية مع الصين ودول مثل إندونيسيا.
اعتبر أن موسكو سعت منذ بداية النزاع الحالي إلى توظيف علاقاتها التجارية والإنسانية، من خلال تقديم معونات لدول إفريقية، من بينها إمدادات القمح، وهو ما ساهم في كسر أي محاولات لعزلها دوليًا.
وأوضح أن موسكو تعتمد كذلك على أطر مؤسسية دولية مهمة، مثل مجموعة «بريكس» التي تضم عددًا من القوى الصاعدة، ومنظمة شنغهاي للتعاون، فضلًا عن آليات التعاون مع دول فضاء الاتحاد السوفيتي السابق، وهو ما يعزز حضورها السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية.
وأشار أن روسيا تتمتع بعلاقات جيدة مع عدد كبير من دول الجنوب، فضلًا عن مصر، التي ترتبط مع موسكو بمشروعات استراتيجية كبرى، مثل مشروع محطة الضبعة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية في شرق بورسعيد.
وأكد المحلل السياسي أن روسيا دولة كبرى يصعب تهميشها أو عزلها، كونها دولة منتجة للمواد الخام، وقوة صناعية كبيرة، إلى جانب كونها من أكبر مصدري النفط والغاز في العالم، مشيرًا إلى أن محاولات الغرب وحلفاء أوكرانيا فرض حصار اقتصادي لم تنجح في تقليص أهمية روسيا أو دورها العالمي.
العزلة السياسية
وتابع: «روسيا لها أيضًا علاقات قوية في أمريكا اللاتينية، مع دول مثل البرازيل وفنزويلا وغيرها، موضحًا أن علاقاتها الدبلوماسية لم تنقطع حتى مع الدول الأوروبية، ولم تقطع علاقاتها مع أي من دول الجنوب تقريبًا، وهو ما ينفي فكرة العزلة السياسية أو الدولية».
وقال نبيل رشوان، إن موسكو نجحت كذلك في توسيع نفوذها في مناطق كانت تقليديًا تحت النفوذ الفرنسي، مثل منطقة الساحل والصحراء، حيث تم إخراج فرنسا من بعض هذه المناطق، رغم الارتباط الثقافي واللغوي القوي بينها وبين باريس، وهو ما يعكس تنامي الدور الروسي في إفريقيا.
وشدد على أن روسيا، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، تظل طرفًا لا غنى عنه في معالجة الأزمات الدولية، مؤكدًا أن المجتمع الدولي لا يمكنه تجاوزهــــا أو الاستغناء عن دورها.
وذكر أن الواقع العملي يؤكد استمرار العلاقات التجارية بين روسيا وأوروبا حتى الآن، بدليل النقاشات الأوروبية حول فرض رسوم على السلع والخامات الروسية المستوردة.
وأشار إلى أن بعض الدول لا تزال تحصل على النفط والغاز الروسي بطرق مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر ما يُعرف بـ»أسطول الظل» أم من خلال دول وسيطة مثل تركيا.