ترامب الغاضب.. رواية «الانتخابات المزورة» تواجه تراجعًا في التأييد
كان مشهدًا لافتًا حين انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من مقابلة تلفزيونية مع قناة «إن بي سي» في نهاية الأسبوع، بعد مواجهة حادة حول روايته المتعلقة بانتخابات الرئاسة عام 2020 أمام منافسه آنذاك الرئيس السابق جو بايدن، في واقعة عكست تصاعد التوتر بينه وبين وسائل الإعلام الأمريكية.
وبحسب تفاصيل المشهد، فقد أبدى ترامب حالة غضب شديدة خلال المقابلة، حيث انفجر في وجه مذيعة القناة، ورمى الميكروفون وداس عليه قبل مغادرة المكان، معتذرًا عن عدم استكمال الحوار، لكنه قبل ذلك وجه انتقادات حادة لمحاورته، وهاجم مؤسسات إعلامية أمريكية معتبرًا أنها منحازة ضد سياساته وتفتقر إلى المهنية والحياد.
وقال ترامب في خضم غضبه إنه «لا يمكن لأي أمة أن تتقدم في وجود صحافة فاسدة».
عداء ودعاوى قضائية
وتعود قصة العداء بين ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية إلى سنوات طويلة، إذ لم يتوقف عن انتقادها في مختلف المناسبات، سواء خلال مؤتمراته الصحفية في البيت الأبيض أو أثناء لقاءاته مع الصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، متهمًا إياها بعدم الإنصاف في تغطية سياساته.
ويرى ترامب أن هذه الشبكات الإعلامية لا تنقل أداء إدارته بصورة إيجابية، ما يدفعه في كثير من الأحيان إلى التصعيد العلني ضدها، وصولًا إلى رفع دعاوى قضائية ضد بعض المؤسسات والمطالبة بتعويضات مالية كبيرة.
ويأتي هذا التطور في وقت يزداد فيه تشدد ترامب تجاه أي تشكيك في روايته المتعلقة بانتخابات 2020، وهي الرواية التي كان يتمسك بها حتى قبل فوزه بالرئاسة، حين كان يؤكد لأنصاره أن خسارته لن تكون ممكنة إلا في حال وقوع تزوير انتخابي.
وخلال المقابلة التي أجراها فريق «إن بي سي»، والذي انتقل من واشنطن إلى ولاية ويسكنسن، جاء رد فعل ترامب حادًا على تعليق المذيعة التي أكدت أنه لا توجد أدلة مادية تثبت مزاعمه بشأن تزوير الانتخابات التي خسرها.
ورد ترامب بالتأكيد على امتلاكه ما وصفه بأدلة في هذه القضية، لكنه لم يقدم أي أدلة قضائية أو رسمية تدعم تلك الادعاءات.
تراجع بريق الرواية
ويأتي هذا التوتر في ظل عودة ملف سياسي حساس إلى الواجهة في واشنطن، بعد طرح مشروع داخل وزارة العدل في إدارتها الجديدة يقضي بتعويضات مالية تطالب الحكومة الفيدرالية بدفعها لمهاجمي مبنى الكابيتول في يناير 2021، بقيمة تصل إلى 1.8 مليار دولار.
وكان ترامب ينظر إلى هذا المشروع بوصفه محاولة لـ»رد الاعتبار» لأنصاره الذين واجهوا ملاحقات قضائية على خلفية اقتحام الكابيتول، في وقت كان فيه الكونغرس يستعد للتصديق على نتائج الانتخابات.
كما قدم المشروع باعتباره جزءًا مما يسميه «محاربة الانتقام السياسي» الذي مارسته الإدارة الديمقراطية السابقة ضد مؤيديه، بهدف الحفاظ على تماسك قاعدته داخل حركة «ماغا»، في ظل تزايد مؤشرات الانقسام داخلها حول أولويات المرحلة السياسية.
وفي البداية، كان ترامب يعتقد أن التغيرات داخل وزارة العدل ستضمن تمرير المشروع بسهولة داخل الكونغرس بدعم من الأغلبية الجمهورية، بما يسمح بإعادة ترتيب أوراقه السياسية خلال الأشهر المتبقية قبل الاستحقاقات الانتخابية.
لكن التطورات داخل الكونغرس جاءت عكس التوقعات، إذ واجه المشروع معارضة من ستة أعضاء في مجلس الشيوخ الجمهوريين، الذين صوتوا ضده وانضم بعضهم إلى الديمقراطيين، معتبرين أن المقترح يمثل تجاوزًا خطيرا لصلاحيات المؤسسات الفيدرالية.
وأمام هذا الرفض، أعلن وزير العدل سحب المشروع من المسار التشريعي، مع تأكيد عدم إعادة طرحه مجددًا، فيما اتضح لاحقًا أن ترامب لم يكن راغبًا في سحبه، بل كان يفضل إعادة تقديمه مع تعديلات جوهرية.
سابقة قانونية
غير أن هذا التباين لم يغير كثيرًا من موقف الكونغرس، حيث اعتبر عدد من المشرعين الجمهوريين أن المشروع يشكل سابقة قانونية غير واضحة المعايير، خاصة أن المستفيدين منه مرتبطون بأحداث اقتحام الكابيتول التي شكلت تهديدًا مباشرًا لأعضاء في المؤسسة التشريعية.
وفي المحصلة، يرى مراقبون أن الخسارة الأكبر لا تتعلق فقط بتعثر المشروع، بل بتراجع استراتيجية التشكيك في نتائج الانتخابات الأمريكية. ويؤكد ترامب استمرار قناعته بأن أي انتخابات يخسرها الجمهوريون تكون عرضة للتزوير، مع تجديد انتقاداته لآليات التصويت عبر البريد، التي يعتبرها منحازة لصالح الديمقراطيين.
ويحذر ناشطون جمهوريون من أن فشل تمرير مشروع التعويضات ورفضه داخل الكونغرس قد ينعكس سلبًا على حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، في وقت تواجه فيه الحركة تحديات تتعلق بوحدة خطابها السياسي.
كما يشير هؤلاء إلى أن غياب أدلة قضائية تثبت رواية التزوير يجعل من الصعب إعادة إحياء هذه الاتهامات في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بما في ذلك انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.