تطارده وتصافحه في آن واحد.. من هو «أخطبوط فنزويلا» الذي أربك واشنطن؟

تطارده وتصافحه في آن واحد.. من هو «أخطبوط فنزويلا» الذي أربك واشنطن؟

يُعد وزير الداخلية الفنزويلي ديوسدادو كابيّو «63 عامًا»، الملقب بـ»الأخطبوط»، أحد أكثر الشخصيات نفوذًا وإثارةً للجدل في النظام الشافيزي.  في الثالث من يناير-كانون الثاني 2026، ظهر كابيّو في شوارع كاراكاس يرتدي سترة واقية من الرصاص ومحاطًا برجال مسـلحين، وأطلق تحديــــًا مدويًا في وجه واشنطن. 
تصريحات كابيّو جاءت بعد أيام من اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلتهما إلى نيويورك، وحينها خرج الرجل الذي تَعْرِضُ واشنطن خمسة وعشرين مليون دولار مكافأة لمن يُفضي بمعلومات تقود إلى اعتقاله ليُعلن: «فنزويلا لا تستسلم.. وسننتصر».
 لكن بعد أشهر قليلة، صافح هذا الرجل نفسه جون باريت، القائم بالأعمال الأمريكي في كاراكاس، ووضع الأخير يده على ذراعه خلال جولة ميدانية لتفقد مناطق الزلزال المدمر الذي ضرب فنزويلا في يونيو-حزيران 2026 وأودى بحياة خمسة آلاف شخص. 
ثم التقى كابيّو بالجنرال فرانسيس دونوفان، قائد القيادة الجنوبية الأمريكية، ذات القيادة التي نفذت عملية اعتقال مادورو. هذا المشهد لخّص الفصل الأغرب في تاريخ العلاقة الأمريكية الفنزويلية: العدو الأكثر ثمنًا هو نفسه الشريك الأكثر ضرورة.

من المجنّد إلى صانع الملوك
لا تبدأ قصة كابيّو بالوزارة أو التلفزيون، بل في ثكنات الجيش الفنزويلي خلال الثمانينيات حيث التقى بضابط شاب مغمور اسمه هوغو شافيز، وانضما معًا إلى «الحركة الثورية البوليفارية»، وهي خلية عسكرية سرية تحلم بتغيير فنزويلا. 
حين حاول شافيز الانقلاب عام 1992، كان كابيّو بين الصفوف لكنه لم يكن الوجه الأبرز. «لم يكن بطلًا من الدرجة الأولى في تلك اللحظة»..
 كما يقول فابريس أندرياني، المتخصص في الشأن الفنزويلي بجامعة ليون الثانية. جاء صعوده الحقيقي بعد وصول شافيز إلى السلطة عام 1999، حيث تقلّب كابيّو بين وزارة العدل وحكومة ولاية ميراندا ورئاسة مجلس الجمعية الوطنية ونيابة رئاسة الجمهورية حين جرى انقلاب 2002 ضد شافيز. في كل موقع، توسّعت شبكة علاقاته في الجيش والأجهزة الأمنية وعالم الأعمال الموالي للنظام.

عائلة تحكم دولة
ما يُميّز كابيّو عن غيره من رجال الشافيزية هو قدرته الاستثنائية على تحويل السلطة السياسية إلى امتياز عائلي، فأخوه خوسيه دافيد كابيّو أمضى خمس عشرة سنة على رأس مصلحة الضرائب الفنزويلية SENIAT، ما أعطى العائلة نفوذًا مباشرًا على الجمارك وتدفقات الريع النفطي. 
ابنته دانييلا كابيّو أُسندت إليها حقيبة السياحة، وكانت والدتها مارليني كونتريراس قد شغلت الحقيبة ذاتها قبلها. ابن عمّه غوستافو غونسالس لوبيز قاد جهاز الاستخبارات السياسية في أحلك لحظاته. «الشافيزية كانت دائمًا فصائل سياسية-عسكرية تتقاسم قطعًا من الدولة وعقودًا»، يلخص أندرياني.

«الأخطبوط»..
 أذرع في كل اتجاه
لُقّب كابيّو بـ»الأخطبوط» من قِبَل المعارضة، وهو لقب لا تبالغ في وصفه. فوق منصبه الرسمي كوزير للداخلية، تمتد سيطرته على الأجهزة الأمنية المتعددة وعلى الكوليكتيفوس، وهي ميليشيات شعبية مسلحة تعمل كذراع قمعي خارج الإطار الرسمي، تُفرّق الاحتجاجات وتُرهب الأحياء وتحوّل المعلومات إلى أجهزة الاستخبارات. ولسنوات كان برنامجه التلفزيوني الأسبوعي «Con el Mazo Dando» أداةً للضبط الأيديولوجي: يُعلن فيه اعتقالات قبل وقوعها، ويُدين خصومًا سياسيين قبل صدور أي حكم قضائي، ويرسم حدود ما يُسمح قوله في فنزويلا. كان بمثابة «النائب العام التلفزيوني» وفق توصيف أندرياني.

 واشنطن التي 
تلاحقه وتحتاجه
التناقض الأمريكي مع كابيّو يفضح حسابات براغماتية معقدة، فالاتهام الأمريكي يُحمّله «الإرهاب بدواعي المخدرات» وتهريب الكوكايين، وتحديدًا التنسيق مع جماعة ELN الكولومبية في مطارات هبوط سرية لتهريب المخدرات. وكان وزير الخارجية الأمريكي الحالي ماركو روبيو قد وصفه عام 2019 بأنه «تاجر مخدرات سينتهي به المطاف في السجن».
لكن وفق ما كشفته رويترز، أجرى مبعوثو ترامب محادثات سرية مع كابيّو قبل أشهر من عملية اعتقال مادورو، ولجؤوا إلى قنوات التواصل معه لتحذيره من استخدام الأجهزة الأمنية لقمع المعارضة. والتقييم العملي في واشنطن واضح وفق ما تنقله صحيفة «إلباييس» الإسبانية: «لا أحد يستطيع الحكم في هذه الفترة الانتقالية دون موافقته».
 حين سُئل روبيو في مايو 2026 عن صحة المكافأة المعروضة لاعتقاله، أجاب بجملة مُحيّرة: «السياسة الأمريكية في هذا الملف لم تتغير»، جملة لا تُطمئن ولا تُلزم. 

بعد مادورو..  الضامن أم القنبلة؟
يتبادل المحللون تقييمين متعارضين لدور كابيّو في فنزويلا ما بعد مادورو: الأول يراه الضامن الذي دون موافقته لا يمكن لأي خطوة انتقالية أن تنجح، والدليل أن الإفراج عن مئات المعتقلين السياسيين ما كان ليحدث لو أراد تعطيله. والثاني يراه القنبلة التي قد تُفجّر اللحظة التي يشعر فيها أن الرئيسة بالإنابة ديلسي رودريغيز تسير بسرعة مفرطة نحو الانفتاح والإصلاح. يلخّص زعيم المعارضة إيفان ستالين غونسالس المفارقة في جملة واحدة لـ إلباييس: «كثير مما يجري الآن ما كان سيجري بهذه السرعة لولا ديوسدادو». هذه المفارقة توضح مكانته الحالية، فهو في نظر واشنطن مطلوب للعدالة، لكنه في الوقت نفسه شخصية يصعب تجاوزها في إدارة العلاقة مع كاراكاس، ما جعله أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا في المشهد الفنزويلي خلال المرحلة الراهنة.