شدد على أن الممرات المائية الدولية تخضع لحقوق وقواعد المرور العابر

حوار «تريندز» الإستراتيجي يؤكد أن صراع «المضائق البحرية» يهدد بتفاقم أزمة أسواق الطاقة وخطوط التجارة العالمية

حوار «تريندز» الإستراتيجي يؤكد أن صراع «المضائق البحرية» يهدد بتفاقم أزمة أسواق الطاقة وخطوط التجارة العالمية

#خبراء وأكاديميون:
• 80 % من تجارة العالم تمر عبر المضائق والممرات البحرية مما يجعلها مصادر إرباك للأسواق
•  لا يحق لأي دولة قانونياً منع الملاحة في المضائق أو فرض رسوم أو التدخل في حركة السفن التجارية
• اضطرابات الممرات البحرية تعمق تحديات الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم
• استمرار انتهاك القوانين الدولية في «هرمز» قد يشجع دولاً أخرى على انتهاج سلوك مماثل
• المضائق الدولية ستصبح سمات بارزة في المنافسة الجيوسياسية وأدوات للضغط الاقتصادي

أكد المشاركون في حوار «تريندز» الإستراتيجي «المضائق البحرية في قلب الصراع العالمي»، الذي نظمه فرع «تريندز» في دبي، التابع لـ«مجموعة تريندز»، أن الصراعات والاضطرابات التي تشهدها المضائق والممرات البحرية حول العالم تضغط بقوة على أسواق الطاقة العالمية وسلال الإمداد وخطوط التجارة العالمية، وتزيد تكاليف النقل وتعرقل الإنتاج، كما تسهم في ارتفاع معدلات التضخم، وتعمق تحديات الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم.
وأشار خبراء وأكاديميون إلى أن الوضع القانوني للمضائق المائية محدد بوضوح بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تعتبرها ممرات مائية دولية تخضع لحقوق وقواعد المرور العابر، مما يعني أنه لا يحق لأي دولة قانونياً منع الملاحة في المضائق أو فرض رسوم أو التدخل في حركة السفن التجارية، مضيفين أن الأزمات الأخيرة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب كشفت عن فجوة متسعة بين المبادئ القانونية وقدرات إنفاذ القانون الدولي، مما يثير تساؤلات حول فاعلية الآليات الحالية لحماية حرية الملاحة خلال فترات التوتر المتصاعد.

80 % من تجارة العالم
وقال علي عبدالله آل علي، الباحث الرئيسي في «تريندز للبحوث والاستشارات»، في الكلمة الافتتاحية للحوار، إن المضائق والممرات البحرية تمثل نقاط الاختناق الأكثر حساسية في الجغرافيا السياسية، حيث تمر عبرها نحو 80% من التجارة العالمية، وتعد شرايين إستراتيجية لتدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم، مما يجعلها مصادر إرباك للأسواق، مثلما يحدث في مضيف هرمز، الشريان الأهم للطاقة عالمياً، وتكرر من قبل في مضيق باب المندب، الذي يعتبر نقطة مركزية في التحكم بالطاقة وسلاسل الإمداد بين أوروبا وآسيا.
وذكر أن حوار «تريندز» الإستراتيجي يسعى إلى تحليل أزمة المضائق البحرية التي باتت في قلب الصراع العالمي، إلى جانب استشراف مستقبلها في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وذلك مع نخبة من الخبراء والأكاديميين والباحثين والمتخصصين، الذين يتناولون أبعاد الأزمة في جلستين نقاشيتين، الأولى تحت عنوان «المضائق كأداة نفوذ.. من يتحكم في التجارة العالمية؟»، والثانية بعنوان «الأمن والقانون الدولي.. هل يستطيع العالم حماية شرايينه؟».

نفوذ جيوسياسي
واستهلت الجلسة الأولى «المضائق كأداة نفوذ.. من يتحكم في التجارة العالمية؟»، التي أدارتها جينا بوسرحال، الباحثة الرئيسية في «تريندز للبحوث والاستشارات»، بمداخلة للدكتور زاهد شهاب، الأستاذ المشارك في كلية الدفاع الوطني بدولة الإمارات، حيث ناقش خلالها الأهمية الإستراتيجية للمعابر البحرية والممرات التجارية، مؤكداً أن السيطرة على ممرات، مثل مضيق هرمز وباب المندب، كانت منذ فترة طويلة مصدراً للنفوذ الجيوسياسي، وكانت وما زالت تمثل أدوات نفوذ اقتصادي وإكراهي على حد سواء.
وذكر أن الاضطرابات التي تطرأ على الممرات البحرية تؤثر على إمدادات الطاقة العالمية، وتزيد تكاليف النقل والإنتاج، وتسهم في ارتفاع التضخم وتعمق تحديات الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم، مضيفاً أن العواقب تمتد إلى اقتصادات العالم أجمع، كما يحدث في منطقة الشرق الأوسط جراء إغلاق مضيف هرمز، مختتماً مداخلته بالتأكيد أن العلاقة بين دول الخليج العربية وإيران من غير المرجح أن تعود بسرعة إلى مستويات ما قبل الحرب، ولكن ستظل الدبلوماسية والحوار الإقليمي ضروريين لإعادة بناء الثقة ومواجهة التحديات الأمنية المستقبلية.

منافسة جيواقتصادية
بدوره، قال الدكتور وان زخري إدريس، الباحث الأول في مركز ربدان للأمن والدفاع، إن سياسات التعريفة الجمركية الأخيرة في عهد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أظهرت كيف يمكن للدول تسخير العلاقات التجارية والاستثمارية والمالية لتعزيز مصالحها الوطنية، ويرى أن هذا يعكس تحولاً أوسع نحو المنافسة الجيواقتصادية، ويشكل تحدياً أمنياً رئيسياً.
وأكد هشاشة المضائق البحرية، مثل «هرمز، وباب المندب»، حيث أصبحت أهدافاً جذابة في الصراعات غير المتماثلة بسبب أهميتها للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة والاستقرار الاقتصادي، فالاضطرابات التي تطرأ على هذه الممرات ترفع أسعار النفط وتزيد من تكاليف الإنتاج عالمياً، مضيفاً أن أمريكا وإسرائيل وإيران منخرطة بشكل متزايد في تنافس على الصمود، حيث تقيم كل منها المدة التي يمكنها خلالها تحمل الضغوط مع فرض تكاليف على خصومها.
وبين إدريس أن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية يتطور فيها النزاع التقليدي إلى أشكال أكثر تعقيداً من المنافسة، تمتد إلى المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والإستراتيجية، حيث لم يعد النجاح يُقاس بالنصر المطلق، بل بقدرة الدول والمجتمعات على الصمود والتكيف مع حالة عدم اليقين.

حقوق المرور العابر
أما البروفيسور أندرياس ريكيمر، الأستاذ المشارك في كلية السياسات العامة بجامعة الشارقة، فتناول أزمة مضيق هرمز من منظور القانون الدولي والحوكمة العالمية، مؤكداً أن الوضع القانوني لمضيق هرمز محدد بوضوح بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تعتبره ممراً مائياً دولياً يخضع لحقوق المرور العابر، مما يعني أنه لا يحق لأي دولة قانونياً منع الملاحة أو فرض رسوم أو التدخل في حركة السفن التجارية.
وأشار ريكمير إلى أن هذه الحقوق تنطبق حتى خلال فترات النزاع المسلح، وتحظى بدعم المؤسسات القانونية الدولية، محذراً من استمرار انتهاك القواعد والقوانين الدولية في «هرمز»، مما قد يشجع دولاً أخرى على انتهاج سلوك مماثل، وذلك سيؤدي إلى مزيد من تآكل أسس الحوكمة العالمية، مضيفاً أن الحفاظ على حرية الملاحة والتجارة البحرية المفتوحة سيتطلب التزاماً أقوى بالقانون الدولي، والتعاون متعدد الأطراف.
تسوية دبلوماسية
وفي سياق متصل، جاءت الجلسة الثانية من الحوار الإستراتيجي تحت عنوان «الأمن والقانون الدولي.. هل يستطيع العالم حماية شرايينه؟»، وأدارها عبدالله عبدالرحمن الخاجه، الباحث في «تريندز للبحوث والاستشارات»، واستهل مناقشاتها الدكتور شيامال كاتاريا، عميد كلية السياسات العامة بالإنابة - جامعة الشارقة، الذي اعتبر الافتراضات المبكرة حول هشاشة النظام الإيراني أثبتت أنها مفرطة في التبسيط، فبينما اعتقد مراقبون في البداية أن المعارضة الداخلية يمكن أن تزعزع استقرار الحكومة بسرعة، فقد أثبت الصراع أن النظام يحتفظ بدعم داخلي ولا يزال يستفيد من دعم شركاء دوليين رئيسيين، خاصة روسيا والصين.
وذكر كاتاريا أن الولايات المتحدة ربما تكون قد بالغت في تقدير نفوذها الإستراتيجي بينما قللت من شأن مرونة إيران واستعداد القوى الأخرى لدعم طهران، حيث اتخذ الصراع بشكل متزايد خصائص منافسة جيوسياسية أوسع شكلها التنافس الإستراتيجي الأوسع بين أمريكا وروسيا والصين. ويرى أن التسوية الدبلوماسية تبقى النتيجة الأكثر ترجيحاً، على الرغم من أنها قد تتطلب تنازلات كبيرة من أطراف عدة. وأكد أن أي حل دائم سيحتاج إلى إشراك ليس فقط الولايات المتحدة وإيران، بل أيضاً قوى كبرى، مثل الصين وروسيا، التي ترتبط مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية بشكل متزايد بالاستقرار الإقليمي، مضيفاً أن الأزمة عكست نظاماً دولياً متغيراً أصبحت فيه القوة أكثر انتشاراً، وتضاءلت قدرة أي دولة واحدة على تشكيل النتائج بشكل أحادي.

إمدادات الطاقة العالمية
وقدم سودير تشيتلا، المدير الإداري لشركة «ألتوس» للخدمات البحرية، منظوراً عملياً حول الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز والمخاطر التي تواجه الشحن التجاري خلال فترات الصراع، موضحاً أن المضيق شريان حيوي لإمدادات الطاقة العالمية والتدفقات التجارية، وعلى الرغم من التحديات الراهنة، فقد عمل مضيق هرمز تاريخياً كطريق شحن يُدار بكفاءة، على الرغم من أن التوترات الإقليمية الأخيرة زادت بشكل كبير من المخاطر التشغيلية.
ووصف العواقب الواقعية للصراع على السفن التجارية وأطقمها، حيث يرى أن سلامة ورفاهية العاملين في البحر تستحق اهتماماً أكبر في المناقشات السياسية حول الأمن الإقليمي، كما أدى عدم الاستقرار في المضيق إلى ارتفاع أقساط التأمين، خاصة التغطية الإضافية لمخاطر الحرب، إلى جانب زيادة تكاليف الشحن بشكل كبير، مؤكداً مرونة صناعة النقل البحري والدور الأساسي الذي يؤديه البحارة في استدامة التجارة العالمية.

أدوات ضغط اقتصادي
وتناول الدكتور سرحات شوبوكشو أوغلو، الباحث الرئيسي في «تريندز للبحوث والاستشارات»، الأهمية الإستراتيجية المتزايدة للمضائق الدولية التي تحولت إلى فضاءات متنازع عليها، مؤكداً أن الأزمات الأخيرة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب كشفت عن فجوة متسعة بين المبادئ القانونية وقدرات إنفاذ القانون الدولي، مما يثير تساؤلات حول فاعلية الآليات الحالية لحماية حرية الملاحة خلال فترات التوتر المتصاعد. وذكر أن المضائق الدولية من المرجح أن تصبح سمات بارزة في المنافسة الجيوسياسية المستقبلية، وعناصر حاسمة في الجغرافيا البحرية، بل أيضاً كأدوات للضغط الاقتصادي، نظراً لتأثيرها على تدفقات الطاقة، وسلاسل التوريد العالمية، والشحن التجاري. وبين أوغلو أن طرق النقل البديلة، بما في ذلك الممرات البرية والجوية، وخطوط الأنابيب، والاحتياطيات الإستراتيجية لا تستطيع أن تحل بالكامل محل الحجم والكفاءة والأهمية الاقتصادية للمضائق البحرية الرئيسية، مضيفاً أن مستقبل المضائق الدولية سيتشكل بشكل متزايد من خلال التوازن بين المصالح الوطنية والحاجة الجماعية للحفاظ على طرق بحرية مفتوحة وآمنة.