ندوة لتريندز تناقش «علاقات تركيا بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا»

خبراء يؤكدون أهمية الشراكة الإماراتية- التركية لاستقرار وازدهار المنطقة

الدكتور العلي: العلاقات التركية–الشرق أوسطية تشهد تحولًا نوعيًا تدعمه مؤشرات رقمية واضحة

أكد خبراء وباحثون، خلال ندوة نقاشية نظمها مركز تريندز للبحوث والاستشارات عبر مكتبه الافتراضي في تركيا، أن علاقات تركيا مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تدخل مرحلة إعادة تموضع استراتيجية في ظل نظام دولي يتجه بشكل متزايد نحو التعددية القطبية والتحالفات المرنة. وشددوا على ضرورة الانتقال من إدارة التوازنات قصيرة المدى إلى بناء إطار مؤسسي ومستدام للتعاون الأمني والاقتصادي. الندوة التي عُقدت في مقر «تريندز» بأبوظبي تحت عنوان: "علاقات تركيا بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا: الاقتصاد، الأمن، والاستراتيجية"، تتزامن مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لدولة الإمارات، وجمعت أكاديميين وخبراء وباحثين لبحث آفاق الشراكات الخليجية–التركية في مرحلة ما بعد عام 2020، ولاسيما العلاقات الإماراتية- التركية التي شهدت تطورات بالغة الأهمية على الصعد السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والدفاعية.

تحول استراتيجي 
وفي كلمته الافتتاحية للندوة، أكد الدكتور محمد عبدالله العلي، الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات، أن العلاقات التركية–الشرق أوسطية تشهد تحولًا نوعيًا تدعمه مؤشرات رقمية واضحة، تعكس الانتقال من التنافس المعقّد إلى بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة، مشيرًا إلى أن نموذج العلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وتركيا يُبرز هذا التحول بشكل جلي، ليس على مستوى الخطاب السياسي فحسب، بل من خلال نتائج اقتصادية واستثمارية ملموسة.
ولفت الدكتور العلي الى ان تنظيم هذه الندوة مع  زيارة فخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى دولة الإمارات يعكس الزخم المتنامي في العلاقات الثنائية، ويؤكد أهمية مواكبة هذا التقارب بحوار فكري يعمّق الفهم ويدعم مسار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
وأوضح الدكتور العلي أن من أبرز المؤشرات الرقمية الداعمة لهذا المسار تجاوز حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات وتركيا 16 مليار دولار (نحو 59 مليار درهم) خلال العام 2025، مع استهداف رفعها إلى 40 مليار دولار خلال خمس سنوات، وإطلاق صندوق استثماري إماراتي بقيمة 10 مليارات دولار لدعم قطاعات استراتيجية في الاقتصاد التركي، وبلوغ حجم الاستثمارات الإماراتية المباشرة في تركيا أكثر من 6 مليارات دولار حتى عام 2025. كما تم توقيع العديد من الاتفاقيات المهمة منها اتفاق مبادلة عملات بقيمة 18 مليار درهم (نحو 4.9 مليارات دولار) بما يعزز الاستقرار المالي والتجاري بين البلدين اضافة الى عمل نحو 600 شركة إماراتية في السوق التركية، مقابل توسع متزايد للشركات التركية داخل الإمارات. وأشار الدكتور العلي إلى أن هذه الأرقام تعكس انتقال العلاقات الإماراتية- التركية، من منطق إدارة التباين إلى منطق بناء الاعتماد المتبادل في مجالات الاقتصاد، والطاقة، والدفاع، والتكنولوجيا المتقدمة. وأكد أن هذا المسار الرقمي–الاستراتيجي يعزز الثقة السياسية، ويرسل رسائل استقرار للأسواق الدولية، ويدعم توجه المنطقة نحو شراكات طويلة المدى قادرة على مواجهة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية.
واختتم بالتأكيد على أن قراءة هذه الأرقام في سياقها الاستراتيجي تبيّن أن العلاقات التركية–الشرق أوسطية تتجه نحو مرحلة أكثر نضجًا، تقوم على التعاون البراغماتي، وصناعة التوازن، وتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة، معتبرًا أن زيارة الرئيس التركي اليوم للإمارات تجسد هذه المقاربة.

موازنة القوى والمسؤولية الإقليمية
وفي معرض حديثه عن التنافس الدولي في المنطقة، أشار الدكتور قدير تميز، مدير مركز أورسام في أنقرة، إلى أن تركيا تتبنى نهج "الموازنة المسؤولة" بين أدوار الولايات المتحدة وروسيا وإيران، مع الحفاظ على هامش مناورة استراتيجي لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية.
وأوضح أن انخراط تركيا في سوريا والعراق يجمع بين الإجراءات الأمنية وجهود إعادة الإعمار ودعم بناء الدولة، من خلال دمج الأهداف الأمنية والتنموية بما يحفظ وحدة الأراضي، ويعزز الحوكمة الشاملة، ويكافح الإرهاب.
وأضاف أن المنطقة تمر بتحولات عميقة تعيد تشكيل ميزان القوى، مشيراً إلى أن تركيا تتبنى رؤية طويلة المدى تستفيد مما وصفه المشاركون بـ«هويتها الهجينة» — بوصفها فاعلاً إقليمياً محورياً، وعضواً في حلف الناتو، واقتصاداً مترابطاً في آنٍ واحدٍ مع آسيا الوسطى وأوروبا والشرق الأوسط.

الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات وتركيا
من جانبها، أكدت سارة النيادي، مديرة الدراسات الاستراتيجية في «تريندز»، أن العلاقات الإماراتية–التركية تطورت منذ عام 2020 من مرحلة خفض التصعيد إلى مرحلة المجالس الدبلوماسية والاستراتيجية المنظمة، مما عزز الأساس المؤسسي للتعاون الثنائي.
وشددت على أن الاستثمارات المتبادلة أصبحت محركاً رئيسياً للدبلوماسية بين البلدين، مع توسع التعاون في الصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، ومشاريع الربط اللوجستي. كما أشارت إلى التنسيق الإنساني المشترك، بما في ذلك دعم غزة، بما يعكس تقارب الرؤى بشأن الاستقرار الإقليمي.

التكامل الاقتصادي والممرات الإقليمية
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكد السيد كنات كوتلوك، رئيس مجلس الأعمال التركي في دبي، أهمية الانتقال من التعاون التقليدي القائم على قطاع الإنشاءات إلى شراكات في التكنولوجيا المالية، والصناعات عالية التقنية، وسلاسل القيمة المتقدمة.
وأضاف أن إفريقيا تمثل ساحة واعدة للمبادرات الخليجية–التركية المشتركة، مع الاستفادة من المراكز المالية مثل دبي وأبوظبي لتعزيز التكامل الاقتصادي العابر للحدود.

احتواء المخاطر والتنسيق الاستراتيجي
وفي تقييمه للتحديات الإقليمية، أشار الباحث باتو جوشكون إلى أن التنسيق الخليجي–التركي بشأن إيران يتبع نهجاً براغماتياً ومرناً لاحتواء المخاطر، يهدف إلى منع التصعيد مع الحفاظ على هامش المناورة الدبلوماسية.
وأوضح أن هذا التنسيق غير الرسمي يعكس مخاوف مشتركة بشأن أمن الطاقة والممرات البحرية، ويعزز التعاون الوظيفي دون الانزلاق إلى مواجهات مفرطة.

السياسات تجاه إيران
وفي مداخلته، قال الدكتور سرحات س. تشوبكش أوغلو، الباحث الأول ومدير مكتب «تريندز» في تركيا، إن التنسيق بين مجلس التعاون الخليجي وتركيا بشأن إيران يتجاوز إدارة الأزمات الظرفية، لكنه لا يتطور أيضاً إلى إطار أمني رسمي. وما نشهده هو اصطفاف وظيفي لاحتواء المخاطر، مدفوع بقابلية مشتركة للتأثر بتداعيات الأزمات — مثل الهجرة، وصدمات الطاقة، وانعدام الأمن البحري، وتصعيد الوكلاء — وليس انطلاقاً من تصورات تهديد مشتركة أو منطق تحالفي.
وأضاف أن تنسيق تركيا مع دول مجلس التعاون لثني الولايات المتحدة أو إسرائيل عن التصعيد يعكس تحولاً أوسع في توجهات الخليج نحو تعزيز الفاعلية الإقليمية وإدارة التصعيد، في بيئة أصبح فيها ضبط الأزمات من جانب الولايات المتحدة أكثر انتقائية وتفاعلية. وأوضح أن أنقرة تموضع نفسها كقوة وسطى موازِنة، متماهية مع هواجس الاستقرار الخليجي، لكنها تتجنب المواجهة العلنية. ومن ثم، من المرجح أن يظل الطابع المؤسسي خفيفاً وغير رسمي ومحدوداً بقضايا محددة، مع الاعتماد على القنوات الدبلوماسية بدلاً من الآليات الرسمية.

سوريا وآفاق إعادة الإعمار
وفيما يتعلق بسوريا، ناقش المشاركون فرص التعاون الخليجي–التركي في دعم جهود الاستقرار وإعادة الإعمار، مشيرين إلى أن التقدم نحو إطار مستقر قائم على الدولة سيخلق ظروفاً مواتية لإعادة بناء البنية التحتية وتعزيز الترابط الإقليمي. وأكدوا أن التقارب بشأن الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومكافحة الجماعات المتطرفة يمكن أن يشكل أساساً لتنسيق أوسع في مشاريع البنية التحتية والطاقة والتكامل الإقليمي. وقال الدكتور سرحات إن تراجع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (SDF-YPG) يمثل نقطة تحول استراتيجية واضحة، تقرب الأهداف الأمنية طويلة الأمد لتركيا من تفضيلات عدد من دول الخليج الداعية إلى الاستقرار القائم على الدولة وتراجع نفوذ الفاعلين المسلحين من غير الدول، ليس فقط وحدات حماية الشعب، بل أيضاً جماعات مثل الحوثيين وحزب الله. ومن منظور مجلس التعاون، يقلل هذا التحول من مخاطر التفكك ويهيئ ظروفاً أكثر ملاءمة لإعادة إدماج سوريا تدريجياً في الأطر الاقتصادية والسياسية الإقليمية، مع تزايد النظر إلى تركيا بوصفها ممكّناً عملياً لا معرقلاً. وأضاف أن التعاون الخليجي–التركي سيتقدم بشكل براغماتي أكثر منه سياسي. فمحدودية قدرات الحوكمة في دمشق، وتسلسل أولويات إعادة الإعمار، ومسائل الشرعية، تعني أن التنسيق بين الجانبين سيبدأ على الأرجح في مجالات تعاملية — مثل الخدمات اللوجستية، وممرات العبور، والتجارة الحدودية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وربط الخليج بشرق المتوسط — بدلاً من اتفاقات كبرى شاملة لإعادة الإعمار. وبهذا المعنى، لم تعد سوريا ساحة صراع بقدر ما أصبحت ساحة اختبار لتقارب مُدار بين قوى وسطى مثل تركيا.

توصيات استراتيجية
واختُتمت الندوة بعدد من التوصيات الرئيسية، من بينها إضفاء الطابع المؤسسي على الحوار عبر إنشاء منصة دائمة بين مراكز الفكر التركية والخليجية لتقديم توصيات دورية للسياسات، وتعزيز التنويع الاقتصادي من خلال إعطاء الأولوية للصناعات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، وتطوير آليات إنذار مبكر مشتركة لحماية التعاون الاقتصادي من الصدمات السياسية، ودعم هندسة أمنية واقتصادية إقليمية مستدامة تقوم على المسؤولية المشتركة والتكامل التدريجي.
كما أشاد المتحدثون بدور المكتب الافتراضي لـ«تريندز» في تركيا بوصفه منصة معرفية تعزز الفهم المتبادل وتدعم صناعة السياسات القائمة على الأدلة، بما يسهم في بناء شراكات استراتيجية تعزز الاستقرار والازدهار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.