يعتمد على الأطعمة النباتية والألياف والبروتين المعتدل
خبير يقترح نظاما غذائيا بديلا لأدوية التخسيس
لا يزال الجدل محتدماً حول أدوية إنقاص الوزن: هل هي مفيدة لنا حقاً، وهل يجدر بنا استخدامها؟
تحاكي غالبية أدوية إنقاص الوزن آلية عمل هرمون "ببتيد 1 الشبيه بالغلوكاغون"، ويختصر بمصطلح "جي إل بي-1" GLP-1، الذي تفرزه الأمعاء عقب تناول الطعام لكبح الشهية والحد من الرغبة في الأكل. وبفضل هذا الهرمون، تتراجع رغبتك في الأكل، وتكتفي بكميات أقل، مما يؤدي إلى فقدان الوزن، وهو ما أثبتت الأبحاث فاعليته على المدى القصير. ومع ذلك، أُبلغ عن آثار جانبية مرافقة لتلك الأدوية كفقدان الكتلة العضلية، كما تشير معظم الدراسات إلى أن مستخدميها سرعان ما يستعيدون الوزن المفقود بمجرد التوقف عن استخدامها.
ولهذا السبب، ينصح البروفيسور فالتر لونغو، مدير "معهد طول العمر" Longevity Institute في جامعة جنوب كاليفورنيا، غالبية الناس بتجنب أدوية إنقاص الوزن، واللجوء بدلاً من ذلك إلى الأنظمة الغذائية التي تعزز إنتاج هرمون "جي إل بي-1" طبيعياً.
ويقول "يظن الناس أنني سأطلب منهم تقليص وجباتهم، لكنني أنصحهم دائماً بتناول المزيد. ففي عالم يعتمد على دواء أوزمبيك، كل ما تحتاجه هو نظام غذائي يحفز جسمك على إفراز هرمون "جي إل بي-1" ذاتياً، عوضاً عن اللجوء إلى تناول الحبوب. وبذلك يتلاشى شعورك بالجوع، وتستشعر أمعاؤك ومعدتك الامتلاء بفضل تناولك كميات وافرة من الطعام".
وتزامناً مع مساعي الكثيرين للتخلص من الكيلوغرامات الزائدة الناتجة عن العادات الغذائية غير الصحية خلال العطلات، يأتي نظام إعادة الضبط الغذائي الذي يوصي به لونغو ليوفر كميات وفيرة من الطعام ضمن نطاق السعرات الحرارية الاعتيادية، إلى جانب تركيبات ذكية للوجبات مُصممة خصيصاً لتحفيز التأثيرات المرجوة. ويشدد البروفيسور لونغو على حتمية تخصيص هذا النظام ليواكب طبيعة كل فرد على حدة.
حمية "طول العمر" للبروفيسور فالتر لونغو لتحسين الصحة وتعزيز إنتاج هرمون "جي إل بي-1" طبيعياً
لا يعد الالتزام بنظام غذائي صحي أمراً يسيراً، فرغم مساعي الغالبية الحثيثة لاتباع نمط غذائي يظنونه صحياً - كتقليل السعرات الحرارية، والحد من المشروبات المحلاة بالسكر، وما شابه - إلا أنهم مع مرور الوقت يجدون أنفسهم يبتعدون أكثر عن بلوغ أهدافهم المتعلقة بالصحة واللياقة البدنية.
ويقول البروفيسور لونغو "نعتقد دائماً أن الأمر في غاية السهولة، وأنه يكفي أن نأكل كميات أقل. لكن هذا مجرد مفهوم خاطئ آخر"، مضيفاً "فبعد مرور بعض الوقت، يبدأ جسمك في استشعار الخطر إزاء قلة السعرات الحرارية الواردة إليه، مما يدفعه للتحول إلى وضع حفظ الطاقة. وهنا، وخلافاً للمتوقع، قد تكتسب مزيداً من الوزن رغم قلة استهلاكك للطعام".
ويكمن حله لهذه المعضلة في "حمية طول العمر"، وهو نظام غذائي قائم على نهج علمي مدعوم بالأبحاث، يستمد مبادئه في الوقت ذاته من حمية البحر الأبيض المتوسط ونظام أوكيناوا الغذائي. ويحفز هذا النظام الأفراد على تناول المزيد من الطعام، لا العكس، مع الالتزام ببضع قواعد بسيطة.
وترتكز الأطعمة في هذا النظام غالباً على المصادر النباتية، مع إدراج بعض الأسماك والقليل من اللحوم. أما الكميات الموصى بها من البروتين فتعد منخفضة مقارنة بالمعايير الحديثة، إذ تعادل تقريباً 0.8 غرام بروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم، مع زيادة طفيفة لمن تجاوزوا سن الـ65، ويُشترط استمدادها أساساً من البقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات والبذور.
ويتيح هذا النهج كميات مثالية من الحمض الأميني الأساسي "الميثيونين"، الذي تؤكد أبحاث البروفيسور لونغو على ضرورة إبقائه ضمن مستويات معتدلة، إذ إن ارتفاعه المفرط يسرع من وتيرة الشيخوخة، بينما يؤدي انخفاضه الشديد إلى الإصابة بالوهن. وفي التجارب المخبرية التي أُجريت على الفئران، ساهم هذا النظام الغذائي في رفع مستويات هرمون "جي إل بي-1"، مع تفادي فقدان الكتلة العضلية والوهن المصاحب غالباً لاستخدام أدوية إنقاص الوزن.
كما يُنصح بالحد من استهلاك الدهون المشبعة، وحصر أوقات تناول الطعام ضمن نافذة زمنية مدتها 12 ساعة، من الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً على سبيل المثال. ويجب منح الأولوية للحبوب الكاملة والمكسرات والأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية كالفواكه والخضراوات.
وتظل النصيحة الأبرز هي "اختيار المكونات التي كان أسلافنا يتناولونها"، إذ لطالما ارتبطت الأطعمة الغنية بالألياف، والمستويات الكافية من البروتين والدهون غير المشبعة، بالتمتع بحياة مديدة وصحية.
ويقول البروفيسور لونغو "تتكون الوجبة المثالية من 250 غراماً من الخضراوات، و250 غراماً من البقوليات، وربما القليل من النشويات كإضافة 70 غراماً من الأرز أو المعكرونة. ونحن نتحدث هنا عن نصف كيلوغرام من الطعام، إنها بلا شك وجبة كبيرة".
وأضاف "وهنا تبرز أهمية تخصيص النظام ليلائم كل فرد".
واستطرد "تحظى المملكة المتحدة بنسختها الخاصة من هذا النظام. إذ يظن الناس أحياناً أننا اعتدنا دائماً تناول الطعام بنمط معين، غير أن الخضراوات المزروعة في محيط المنزل كانت تمثل الركيزة الأساسية في غذاء الأغلبية".
وأوضح "لهذا السبب، لا أرى أنه يتحتم على سكان المملكة المتحدة الالتزام بحمية البحر الأبيض المتوسط. بل ينبغي أن يبتكروا نسختهم الخاصة من ’حمية طول العمر‘ لتكون أكثر مواءمة لما كان يتناوله أجدادهم وأسلافهم".
ويقترح أنه بدلاً من المعكرونة، يمكنك تناول من 70 إلى 80 غراماً من البطاطس. وعوضاً عن الاعتماد المفرط على البقوليات كمصدر للبروتين، يمكن للحبوب الكاملة والأسماك أن تنهض بهذا الدور المحوري، بينما ينبغي أن تُشكل الخضراوات الموسمية والمكسرات والفواكه الجزء المتبقي من طبقك.
كما يمكنك أيضاً اتباع منهجية التجربة والخطأ لضمان ملاءمة هذا النمط الغذائي لطبيعة جسمك.
ويشرح البروفيسور لونغو قائلاً: "يمكنك الشروع بتناول 0.8 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً، بحيث تكون النسبة اثنين إلى واحد لصالح البروتينات النباتية مقابل الحيوانية. ويُعد هذا هو الحد الأدنى الموصى به من قِبل غالبية الجمعيات الطبية حول العالم -كما أن هذه النسبة تسهم في توفير مستويات مثالية من الميثيونين".
وتابع "... ولكن إذا كنت تمارس تمارين المقاومة ولا تزال تفقد الكتلة العضلية، فقد يعني ذلك أن مدخولك من الأحماض الأمينية -اللبنات الأساسية للبروتينات- غير كافٍ، مما يستدعي زيادته قليلاً ليصل إلى 1.1 غرام لكل كيلوغرام فقط، وليس 2 غرام لكل كيلوغرام كما يروج البعض".
وأردف "أما إذا لاحظت اكتسابك للوزن، فمن المرجح أن النشويات والدهون الحيوانية المشبعة هي المسؤولة عن تلك الزيادة، مما يحتم عليك الحد منها".
لماذا يمكن للنظام الغذائي أن يكون أفضل من أدوية إنقاص الوزن؟
يقول البروفيسور لونغو "تحظى أدوية ’جي إل بي-1‘ باهتمام بالغ، ولكن هناك سبل أفضل لإنقاص الوزن ترتكز على علم طول العمر".
وأضاف "ويكمن الخطأ الفادح في أدوية إنقاص الوزن في سعيها لبلوغ الهدف النهائي بسرعة مفرطة، وهو ما ينطوي على إشكاليات عدة، فهي لا تقدم سوى تأثيرات قصيرة الأمد. ولطالما صارحت شركات الأدوية مستخدميها قائلة: ’يتعين عليكم الاستمرار في تناولها للحفاظ على نتائجها، لأنكم بمجرد التوقف، ستستعيدون ما فقدتموه من وزن‘".
وأشار "من هنا تتجلى أهمية الاعتماد على النظام الغذائي عوضاً عن الأدوية، لأننا ندرك تماماً أن الغالبية العظمى من الناس لن يواظبوا على استخدام هذه الأدوية لفترات طويلة جداً".
ويتمثل هدفه في محاكاة تأثيرات أدوية إنقاص الوزن عبر الاعتماد على الأطعمة الطبيعية، سعياً لابتكار نهج مستدام يسهل الالتزام به مدى الحياة.
ويتابع البروفيسور لونغو قائلاً "يردد الكثيرون: ’لقد حاولت إنقاص وزني باتباع ملايين الأنظمة الغذائية المختلفة، لكن الجميع طالبوني بتناول كميات أقل، وهو ما لم أتمكن من فعله‘". مضيفاً "أما نحن هنا فنقول: ’لست بحاجة لتقليل طعامك، بل عليك تناول المزيد‘، وثمة حيل ذكية يمكننا الاستعانة بها للحفاظ على مستويات عالية من هرمون ’جي إل بي-1‘ والهرمونات المشابهة، إلى جانب تقليل الدهون طبيعياً‘".
ويضيف أن هذا النظام الغذائي يمتلك القدرة كذلك على تنظيم مستويات عامل النمو الشبيه بالأنسولين-1 (اختصاراً "أي جي إف-1" IGF-1)، وقد يحفز أيضاً إفرازاً أكبر للبروتين الشبيه بالهرمون المعروف بعامل نمو الخلايا الليفية 21 (اختصاراً "إف جي إف 21" FGF21) ومن شأن التأثير المزدوج لهذه العوامل أن يبطئ وتيرة الشيخوخة، ويسهم في الوقاية من السرطان، وينظم مستويات الطاقة وسكر الدم بفاعلية فائقة، فضلاً عن تعزيز عملية حرق الدهون.
ويقول البروفيسور لونغو "لا يكمن المعنى الحقيقي لطب إطالة العمر في الاعتماد على الحقن وتناول مئة حبة دواء يومياً". بل يأمل، عوضاً عن ذلك، أن تتضافر جهود المتخصصين في الرعاية الصحية لفهم شبكة الهرمونات والمؤشرات الصحية المتداخلة، ومن ثم تقديم وصفات غذائية تتناغم معها، بدلاً من التسرع في اللجوء إلى التدخلات الدوائية.
وأوضح "على سبيل المثال، توصلنا في دراستنا الحديثة إلى أن المستويات المنخفضة ولكن الكافية من الحمض الأميني الميثيونين - الذي يتوفر بنسب عالية في البروتينات الحيوانية بينما يقل في نظيرتها النباتية - أتاحت للفئران، وربما للبشر أيضاً، فرصة الحفاظ على مستويات منخفضة من الدهون المتراكمة مع صون الكتلة العضلية في الوقت ذاته".
وأضاف "قد لا يكون هذا النهج الطبي منخفض التكلفة متاحاً على نطاق واسع في الوقت الراهن، بيد أنني أعتقد بضرورة إدراجه كجزء أساسي ضمن أي نظام صحي. ففي الولايات المتحدة، تقترب نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية من 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن جودة تلك الرعاية لا تُصنف ضمن الأفضل عالمياً".
وتابع "إننا نهدر أموالاً طائلة على رعاية صحية متدنية الجودة. لذا، ينبغي للناس المطالبة بنظام رعاية صحية يستوعب كافة هذه العناصر المتداخلة، ليحافظ على صحتك، ويبقيك في منأى عن المستشفيات والأدوية".
ومع ذلك، يقر البروفيسور لونغو بوجود بعض الحالات الاستثنائية التي قد يكون فيها اللجوء إلى أدوية إنقاص الوزن أمراً ملائماً.
وقال "إذا راجع شخص يعاني السمنة عيادات مؤسستنا،
وكان قد جرب ’حمية طول العمر‘، ونظامنا الغذائي المحاكي للصيام، إلى جانب تناول الطعام المقيد بوقت،
ولم يثمر أي من ذلك عن نتيجة إيجابية بعد خمس سنوات، فإنني أتفق حينها على أن أدوية ’جي إل بي-1‘ ربما تمثل خياراً جيداً قبل التوجه لجراحة علاج السمنة.
فإذا كنت تعاني السمنة أو السكري، تُعد هذه الأدوية بمثابة ملاذ أخير ومعقول".
واستدرك "ولكن الواقع يشير إلى أنها لا تُستخدم على هذا النحو، إذ نسمع باستمرار عن أشخاص يرغبون في التخلص من بضع كيلوغرامات إضافية،
فيلجأون إلى تناول هذه الأدوية ظناً منهم أنها الحل الأسهل، وهذا وهم محض".