من المراقبة إلى الاحتواء..
دراسة لـ«تريندز» ترصد تحول المقاربة الفرنسية تجاه شبكات الإخوان المسلمين
أكدت دراسة بحثية جديدة أصدرها «تريندز للبحوث والاستشارات» أن السلطات الفرنسية تتجه نحو تبني سياسة «الاحتواء الإداري الاستباقي» في التعامل مع الشبكات والتنظيمات التي تصنفها على أنها مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، في تحول تدريجي عن النهج التقليدي القائم على المراقبة الأمنية، مع الإبقاء على أدوات الرصد الاستخباراتي.
وأوضحت الدراسة، التي أعدتها باللغة الفرنسية شمسة القبيسي، الباحثة الرئيسية في «تريندز»، أن قرار السلطات الفرنسية حظر «اللقاء السنوي لمسلمي الغرب» في مدينة نانت يوم 22 مايو 2026، بدعوى مخاوف من مشاركة متحدثين مرتبطين بمنظمة «مسلمو فرنسا» تتعارض مواقفهم مع مبادئ الجمهورية، لا يمثل إجراءً منفرداً، بل يأتي ضمن مسار متصاعد من التدابير الإدارية الاستباقية التي تنتهجها باريس منذ عام 2020.
وأشارت الدراسة إلى أن مبدأ «اللائكية» (العلمانية الفرنسية) يشكل الإطار المرجعي للموقف الفرنسي من جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره يضمن حرية الاعتقاد، ويحد، في الوقت ذاته، من تأثير الدين في المجال العام ومؤسسات الدولة. ووفقاً للدراسة، فإن هذا السياق يفسر تصدر مفاهيم مثل «الانفصالية» و«الطائفية» للنقاش السياسي الفرنسي حول الإسلام السياسي، أكثر من الجوانب العقائدية أو اللاهوتية. ولفتت إلى أن وزارة الداخلية الفرنسية أصدرت، في مايو 2025، تقريراً بعنوان «الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا»، خلص إلى أن الجماعة تعتمد إستراتيجية نفوذ طويلة الأمد عبر المدارس والمساجد والمنظمات غير الحكومية والفعاليات العامة، معتبراً أن التهديد يكمن في بناء «منظومة نفوذ» أكثر من كونه تمرداً مباشراً. وفي المقابل، أظهر النقاش الذي شهدته الجمعية الوطنية الفرنسية، في يناير 2026، بشأن إدراج الجماعة على قائمة الاتحاد الأوروبي للتنظيمات الإرهابية، تبايناً واضحاً في تقدير حجم هذه الشبكات ومدى ترابطها التنظيمي. واستعرضت الدراسة أبرز الإجراءات التي اتخذتها فرنسا منذ عام 2020، بدءاً بحل عدد من الجمعيات، من بينها «المجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا» ومنظمة «بركة سيتي» الخيرية، عقب مقتل المدرس صامويل باتي، وهو القرار الذي أيده مجلس الدولة الفرنسي عام 2021، من دون اشتراط صدور إدانة جنائية مسبقة.
كما تناولت الدراسة «قانون الانفصالية» الذي وسّع صلاحيات الدولة في مراقبة الجمعيات وحلها، مشيرة إلى أن تقييماً برلمانياً أصدره مجلس الشيوخ عام 2024 أظهر أن نتائج تطبيق القانون جاءت محدودة مقارنة بالأهداف المعلنة، إذ اقتصر أثره على سحب أربع منح مالية خلال ثلاث سنوات.
وأضافت أن مجلس الشيوخ الفرنسي أقر، في 5 مايو 2026، مشروع قانون تقدم به السيناتور برونو روتايو لمكافحة ما وصفه بـ«التغلغل الإسلاموي»، بأغلبية 208 أصوات مقابل 124، بما يمنح المحافظين صلاحيات أوسع تجاه دور العبادة، ويتيح تجميد الأصول، ويبسّط إجراءات حل الجمعيات. وحللت الدراسة فاعلية هذه الإجراءات على ثلاثة مستويات رئيسية، هي: تعطيل البنية التنظيمية، والحد من القدرة على الحشد، والتأثير في الديناميكيات الفكرية. وأوضحت أن مؤيدي هذا النهج يرون أن حظر التجمعات الكبرى يحد من قدرة هذه الشبكات على بناء علاقات تنظيمية جديدة، ويبعث برسالة سياسية واضحة بشأن الالتزام بقيم الجمهورية. في المقابل، أشارت الدراسة إلى أن منظمات حقوقية، من بينها «هيومن رايتس ووتش»، حذرت من أن توسيع الصلاحيات الإدارية قد ينعكس سلباً على منظمات المجتمع المدني، من خلال خلق حالة من عدم اليقين القانوني، قد تحد من المشاركة المدنية وتغذي الشعور بالإقصاء. كما بينت أن حل «المجمع ضد الإسلاموفوبيا» لم يمنع استمرار الخطاب ذاته خارج فرنسا، بما يعكس قدرة هذه الشبكات على إعادة التموضع والتكيف مع القيود.
وخلصت الدراسة إلى أن التحدي الحقيقي أمام صانع القرار الفرنسي لا يقتصر على احتواء الجماعة تنظيمياً، بل يمتد إلى بناء مؤسسات دينية فرنسية أكثر استقلالية. وأشارت إلى أن باريس منعت، منذ يناير 2024، «الأئمة الموفدين» من الجزائر والمغرب وتركيا، في إطار سياسة تستهدف الحد من النفوذ الديني الخارجي، وتشجيع إعداد أئمة محليين، غير أن «منتدى الإسلام في فرنسا»، الذي أُنشئ عام 2022 خلفاً لـ«المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية»، لا يزال يواجه تساؤلات بشأن تمثيليته وشرعيته.
وفي ختام الدراسة، أكدت الباحثة شمسة القبيسي أن الإجراءات الإدارية قد تحقق «هدوءاً مؤقتاً»، لكنها لا تمثل حلاً مستداماً ما لم تترافق مع بناء مؤسسات دينية تحظى بالمصداقية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمعات المسلمة. وشددت على أن التحدي الأكبر يكمن في رسم حدود قانونية وسياسية واضحة تميز بين النفوذ الفكري، والنشاط الديني المحافظ، والتهديد الأمني الفعلي.