طاقة وديون وعقوبات.. كوبا تواجه أخطر اختبار منذ الحرب الباردة
تتجه كوبا نحو إحدى أكثر اللحظات حساسية منذ نهاية الحرب الباردة، مع تصاعد الضغوط الأمريكية الاقتصادية والأمنية بوتيرة غير مسبوقة، وتراجع قدرة هافانا على احتواء أزمتها الداخلية.
وبينما تواصل القيادة الكوبية التمسك بخطاب السيادة ورفض الإملاءات الخارجية، يرى محللون، نقلت عنهم مجلة «فورين أفيرز»، أن الخيارات المتاحة أمامها تضيق سريعًا، وأن التوصل إلى تفاهم مع واشنطن قــــد يتحـــــول من خيـــــار سياسي إلى ضرورة اقتصادية وإستراتيجية.
وأكد تحليل المجلة أن الأزمة الحالية لا تتعلق بالسياسات الأمريكية وحدها، بل تعكس أيضًا عقودًا من الإخفاقات الاقتصادية والاعتماد على الحلفاء الخارجيين وتأجيل الإصلاحات الهيكلية داخل الجزيرة، وهي عوامل جعلت كوبا أكثر هشاشة في مواجهة الضغوط المتزايدة التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
انهيار مصادر الدعم
وشهد الاقتصاد الكوبي تدهورًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة نتيجة تراكم عدة عوامل في وقت واحد، من بينها العقوبات الأمريكية التي أعادت إدارة ترامب فرضها خلال ولايتها الأولى، وتداعيات جائحة كورونا، إضافة إلى محدودية الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها هافانا.
لكن الضربة الأشد جاءت، وفق التحليل، مع تراجع الدعم الفنزويلي الذي شكّل لعقود شريانًا حيويًّا للاقتصاد الكوبي.
فمنذ إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع العام الجاري، فقدت كوبا جزءًا كبيرًا من إمدادات النفط المدعوم التي كانت تحصل عليها من كاراكاس؛ ما أدى إلى تفاقم أزمة الطاقة داخل البلاد.
وزادت الأوضاع سوءًا مع ما وصفه التقرير بحصار نفطي فعلي فرضته واشنطن خلال الأشهر الخمسة الماضية، إذ لم تسمح الإدارة الأمريكية سوى بعبور ناقلة نفط روسية واحدة إلى الجزيرة. ونتيجة لذلك، أصبحت انقطاعات الكهرباء حدثًا يوميًّا، فيما تعطلت خدمات أساسية وتفاقمت الضغوط المعيشية على السكان.
رهان الوقت
ورغم خطورة الوضع الاقتصادي، لم تستجب هافانا للعروض الأمريكية التي طُرحت خلال اتصالات غير معلنة جرت في الربيع الماضي بين مسؤولين أمريكيين ومبعوثين كوبيين، من بينهم أحد أحفاد الرئيس السابق راؤول كاسترو.
وبحسب المجلة، حاول البيت الأبيض إقناع القيادة الكوبية بقبول انفتاح اقتصادي وأمني محدود مقابل تخفيف الضغوط، دون المطالبة بإسقاط النظام أو إحداث تغيير سياسي جذري وفوري.
إلا أن القيادة الكوبية فضلت المراهنة على عامل الوقت، معتقدة أن انخراط الولايات المتحدة في الحرب مع إيران سيشتت انتباه الإدارة الأمريكية ويقلل فرص التصعيد ضد هافانا.
كما راهنت على أن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقبلــــــة قـــــــد تفرض واقعـــــًا سياسيًّا جديدًا يحد من قدرة ترامب على مواصلة نهجه التصعيدي.
غير أن هذه الحسابات، وفق التحليل، لم تصمد طويلًا.
فبدلًا من تراجع الاهتمام الأمريكي بالملف الكوبي، ازدادت الضغوط واتسعت أدوات الضغط السياسي والاقتصادي المستخدمة ضد الجزيرة.
عقوبات جديدة
في الأول من مايو-أيار، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًّا منح وزارتي الخزانة والخارجية صلاحيات واسعة لفرض عقوبات ثانوية على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع المؤسسات الحكومية الكوبية في قطاعات إستراتيجية تشمل الطاقة والتعدين والخدمات المالية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تتجاوز منظومة العقوبات التقليدية المفروضة على كوبا منذ ستينيات القرن الماضي. فبينما كانت الشركات الأجنبية تواجه مخاطر قانونية وتنظيمية عند العمل في الجزيرة، لم تكن مهددة بشكل مباشر بخسارة إمكانية وصولها إلى النظام المالي الأمريكي.
ووفقًا للمجلة، دفعت هذه الإجراءات بالفعل عددًا من المستثمرين والشركات الأجنبية إلى تعليق أو إعادة تقييم عملياتهم في كوبا؛ ما يزيد الضغوط على اقتصاد يعاني أصلًا نقصَ العملات الأجنبية وشحَّ التمويل الخارجي.
زيارة استخباراتية
وفي مؤشر على تصاعد الضغوط، أجرى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، جون راتكليف، زيارة مفاجئة إلى هافانا خلال مايو-أيار.
وجاءت الزيارة بعد يوم واحد فقط من إقرار وزير الطاقة الكوبي علنًا بأن البلاد استنفدت احتياطياتها النفطية تقريبًا، وهو توقيت اعتبره التحليل رسالة سياسية واضحة.
ووفق التقرير، حمل راتكليف عرضًا أخيرًا للتفاوض، لكنه تضمن في الوقت نفسه تحذيرًا صريحًا من أن نافذة التسوية بدأت تضيق.
وشملت المطالب الأمريكية إطلاق سراح سجناء سياسيين، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية أوسع، وقطع العلاقــــــات الأمنية والاستخباراتية مع روسيا والصين، بما في ذلك إغلاق منشآت التنصت المرتبطة بهما داخل الأراضي الكوبية.
اتهام راؤول كاسترو
وازدادت حدة التوتر في العشرين من مايو-أيار عندما وجه مدعون فيدراليون أمريكيون اتهامات إلى راؤول كاسترو تتعلق بإسقاط طائرتين مدنيتين أمريكيتين عام 1996 فوق المياه الدولية، وهي القضية التي أدت إلى مقتل 3 مواطنين أمريكيين ومقيم قانوني في الولايات المتحدة.
ورأت المجلة أن هذه الخطوة تحمل أبعادًا تتجاوز الجانب القضائي، إذ توفر أساسًا قانونيًّا وسياسيًّا يمكن استخدامه مستقبلًا لتبرير إجراءات أكثر صرامة ضد القيادة الكوبية. كما عززت تقارير تحدثت عن امتلاك كوبا مئات الطائرات المسيّرة الدفاعية التي حصلت عليها من روسيا وإيران المخاوف الأمريكية المتعلقة بالأمن القومي، وهو ما تستخدمه الإدارة الأمريكية لتبرير تشديد الضغوط على هافانا.
مراكز النفوذ
ويرى التحليل أن تفسير الموقف الكوبي من خلال التمسك الأيديولوجي وحده لا يكفي لفهم أسباب تعثر المفاوضات.
فالسلطة داخل كوبا لا تتركز في جهة واحدة، بل تتوزع بين عدة مراكز نفوذ متداخلة، تشمل راؤول كاسترو ودائرته المقربة، ومجموعة الإدارة التجارية العسكرية (GAESA) التي تسيطر على نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والحزب الشيوعي والبيروقراطية الحكومية. وتخشى هذه الأطراف أن يؤدي أي انفتاح اقتصادي واسع إلى تقليص نفوذها السياسي والمالي. كما أن الأجهزة الأمنية تنظر بعين الريبة إلى أي تقارب مع واشنطن قد يجبرها على إعادة صياغة علاقاتها مع موسكو وبكين. وبحسب المجلة، فإن غياب شخصية داخل النظام مستعدة لتبني تسوية شاملة مع الولايات المتحدة أسهم في تعقيد المشهد، بينما أدى استمرار الجمود إلى استنزاف احتياطيات الدولة وتآكل قدرتها على إدارة الأزمة.
صفقة محتملة
وتشير «فورين أفيرز» إلى أن ملامح التسوية الممكنة باتت واضحة منذ أشهر. فالولايات المتحدة تطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتوسيع هامش الحريات العامة، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية تفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمارات القادمة من الجالية الكوبية في الخارج، إلى جانب تقليص نفوذ المؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش وإعادة النظر في العلاقات الأمنية مع روسيا والصين. وفي المقابل، يمكن لواشنطن إزالة كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإلغاء العقوبات الثانوية الجديدة، وتخفيف القيود المفروضة على السفر والاستثمار، وفتح الباب أمام الشركات الأمريكية للعمل في قطاعات حيوية داخل الجزيرة.
كما يمكن أن يشمل الاتفاق معالجة تدريجية لقضايا التعويضات المتعلقة بالممتلكات الأمريكية التي صودرت بعد الثورة الكوبية، وهي إحدى أكثر الملفات تعقيدًا في العلاقات الثنائية.