طالبان وواشنطن.. حسابات النفوذ تعيد قنوات التواصل

طالبان وواشنطن.. حسابات النفوذ تعيد قنوات التواصل


بعد أكثر من 4 سنوات على عودة «طالبان» إلى الحكم في أفغانستان، يعود الجدل مجدداً في واشنطن حول جدوى الانخراط مع كابول.
ويرى جيمس دي. دورسو، الباحث والمحلل المتخصص في شؤون الأمن القومي، أن السؤال لم يعد أخلاقياً أو أيديولوجياً بقدر ما هو استراتيجي: هل تستطيع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحمّل الكلفة السياسية الآنية للتواصل مع أفغانستان، مقابل مكاسب بعيدة المدى تتعلق بالنفوذ الأمريكي في آسيا الوسطى؟ قال دورسي الذي خدم في البحرية الأمريكية لمدة 20 عاماً، في مقاله بموقع مجلة «ناشونال إنترست»، إن الولايات المتحدة لم تتعرّض لهزيمة أمام حركة تحرر وطني منذ سقوط سايغون عام 1975، حين سادت نظرية «الدومينو» التي توقعت انهيار آسيا بأكملها في قبضة الشيوعية، وأضاف أن تلك التوقعات لم تتحقق، كما أن الصراعات اللاحقة في جنوب شرق آسيا لم تمسّ الأمن القومي الأمريكي بشكل مباشر. وأوضح الكاتب أن المشهد الجيوسياسي في أوراسيا عام 2026 يختلف جذرياً، ما يجعل تجاهل أفغانستان خطأ استراتيجياً، فالهند وباكستان، الدولتان النوويتان، خاضتا مواجهة عسكرية قصيرة في مايو -أيار 2025، بينما تتصاعد التوترات بين كابول وإسلام آباد على خلفية نشاط «طالبان باكستان» وجيش تحرير بلوشستان.

إقليم مضطرب
وأضاف الكاتب أن المنطقة تشهد تداخلاً غير مسبوق للأزمات والفرص، بدءاً من الاتهامات الموجهة لإيران بتطوير سلاح نووي، مروراً بالضربات التي تعرّضت لها من الولايات المتحدة وإسرائيل، وصولاً إلى بروز شبكات ربط إقليمي جديدة، وازدياد الطلب على المعادن النادرة، والنمو المتسارع لاقتصادات جمهوريات آسيا الوسطى. وأشار دورسي إلى أن جميع هذه الدول تعتمد، بشكل أو بآخر، على أفغانستان، لا سيما في ملف المياه، ما يمنح كابول وزناً إقليمياً يتجاوز صورتها النمطية كدولة معزولة.

أخطاء استراتيجية
وتابع الكاتب أن تاريخ العلاقات الأمريكية–الأفغانية في العقود الأخيرة هو تاريخ من سوء الفهم المتبادل، فبعد هجمات 11 سبتمبر -أيلول، أخطأت «طالبان» حين رفضت تسليم أسامة بن لادن، واقترحت محاكمته في دولة إسلامية، ما فتح الباب أمام الغزو الأمريكي الذي استمر 20 عاماً.
وأضاف الكاتب أن واشنطن، بعد إسقاط «طالبان»، تجاهلت محاولات قادتها المتكررة للاستسلام، مدفوعة بنشوة الانتصار، ورغبة المحافظين الجدد في فرض نموذجهم بالقوة، وأوضح أن هذا النهج فشل في إدراك حقيقة أن طالبان حركة أفغانية ذات مرجعية دينية، وليست تنظيماً عابراً للحدود كتنظيمي «القاعدة» أو «داعش» الإرهابيين.

مخاوف الإرهاب لم تتحقق
وأشار الكاتب إلى أن هذه القراءة الخطأ كانت وراء التحذيرات من تحوّل أفغانستان إلى بؤرة عالمية للإرهاب، وهي توقعات لم تتحقق، حسبما أكده مسؤول في وكالة الاستخبارات المركزية عام 2024.
وقال الكاتب إن أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي كانت خارج معادلات التنمية، واقتصر دورها على مشروع خط أنابيب غاز فشل بسبب الحرب الأهلية والعزلة الدولية، أما اليوم، فأصبحت محوراً أساسياً في مشاريع الربط الإقليمي.

الصين في الصدارة 
وأضاف الكاتب أن الصين تبدو في موقع القيادة اقتصادياً، مدعومة باستثمارات ضخمة ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، إلا أن العلاقة بين بكين وطالبان ليست خالية من التوتر، كما ظهر في إلغاء كابول عقداً نفطياً طويل الأمد مع شركة صينية. وتابع الكاتب أن وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي أبلغ المبعوث الأمريكي السابق زلماي خليل زاد بأن العلاقات مع واشنطن دخلت مرحلة جديدة. وأشار إلى أن اعتراف روسيا بحكومة طالبان في يوليو -2025 يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن ستتردد في الانخراط كي لا تبدو وكأنها تلحق بموسكو.

الفرصة الضائعة
وأوضح الكاتب أن ملف الأمريكيين المحتجزين في أفغانستان يمثل ورقة ضغط إنسانية وسياسية، فرغم إفراج طالبان عن 5 أمريكيين خلال 2025، لم تبادر واشنطن بخطوات مقابلة، ما أضعف التيار داخل الحركة الداعي لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. وقال الكاتب إن الرئيس ترامب سيواجه انتقادات داخلية إذا أعاد فتح قنوات التواصل مع أفغانستان، لكنه شدد على أن المصالح الاستراتيجية تفرض تجاوز الحسابات الآنية، مؤكداً أن «طالبان» هزمت الولايات المتحدة عسكرياً، وأن تجاهل هذه الحقيقة لن يخدم النفوذ الأمريكي في آسيا الوسطى. أكد جيمس دورسو في ختام مقاله أن على واشنطن، إذا أرادت استعادة دورها في آسيا الوسطى، أن تتجاوز سياسة تجاهل أفغانستان، وأن تنتقل من المكاسب السهلة إلى قرارات صعبة لكنها ضرورية.