في غابات تحاكي كوبا.. تدريبات عسكرية أمريكية تثير مخاوف هافانا

في غابات تحاكي كوبا.. تدريبات عسكرية أمريكية تثير مخاوف هافانا

أعاد الجيش الأمريكي فتح ملف التدريبات العسكرية في أمريكا اللاتينية بعد غياب دام أكثر من 25 عامًا، عبر مناورات في غابات بنما تحاكي إلى حد كبير طبيعة التضاريس الكوبية، في خطوة أثارت تساؤلات حول استعدادات واشنطن لمرحلة جديدة من التصعيد المحتمل مع هافانا.
وأفادت مصادر كوبية مطلعة بأن وحدات من الجيش الأمريكي وقوات مشاة البحرية «المارينز» بدأت خلال الفترة الأخيرة تدريبات في مناطق الغابات والأدغال الاستوائية في بنما، بعد انقطاع طويل عن هذا النوع من المناورات، مشيرة إلى أن طبيعة المنطقة التدريبية تتطابق بدرجة كبيرة مع التضاريس الكوبية، خصوصا من حيث البيئة الكاريبية والغابات الكثيفة والمناطق الساحلية. 
وأشارت جهات عسكرية بنمية إلى أن التدريبات العسكرية تجري في قاعدة «كريستوبال كولون» الجوية البحرية البنمية، وهي المنشأة المقامة على أنقاض قاعدة «فورت شيرمان» الأمريكية السابقة.
وتكتسب هذه القاعدة رمزية تاريخية وعسكرية كبرى، إذ إنّها كانت المقر الرئيس لتدريب القوات الأمريكية على حرب العصابات والبقاء في البيئات الاستوائية القاسية قبيل إرسالهم إلى حرب فيتنام.
وكانت واشنطن قد أخلت هذه المواقع عام 1999 بناء على اتفاقيات تسليم قناة بنما، إلا أن البنتاغون أعاد تفعيل البرامج التدريبية هناك عبر مرحلة تجريبية بدأت في أغسطس/ آب 2025، قبل أن يشرع في إجراء مناورات واسعة النطاق خلال العام الجاري 2026، بالتعاون مع القوات الأمنية وحرس الحدود في بنما. 
وتكشف المصادر البنمية أن التدريبات تتضمن محاكاة عمليات قتالية في المناطق البحرية والساحلية والغابات الكثيفة، إلى جانب تدريبات على نصب الكمائن وبناء الملاجئ وإجلاء الجرحى، فضلا عن تمارين التحمل البدني والتكيف مع تضاريس مشابهة لبيئة منطقة الكاريبي، ولا سيما الجغرافيا الكوبية.
ولا يمكن فصل هذه المناورات عن التحول اللافت في العقيدة الدفاعية الأمريكية خلال الفترة الأخيرة، إذ نفذ البنتاغون في ديسمبر-كانون الأول 2025 عملية إعادة تنظيم واسعة أسفرت عن إنشاء «قيادة نصف الكرة الغربي»، وهي قيادة عسكرية رفيعة المستوى تجمع تحت مظلتها قيادة القوات والجيش الشمالي والجيش الجنوبي.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة اللوجستية تعكس بوضوح قرار «البنتاغون» بنقل جزء من ثقله وتركيزه العسكري نحو أمريكا اللاتينية وحوض الكاريبي، بعد عقود طويلة طغت فيها ملفات الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، ومنطقة المحيطين الهندي والهادي على أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

سيناريوهات متعددة 
ويرى خبراء ومراقبون للشأن العسكري في أمريكا اللاتينية أن هذه الخطوة تعكس استعداد واشنطن للتعامل مع عدة سيناريوهات أمنية وعسكرية محتملة في كوبا ومنطقة الكاريبي عموما، معتبرين أن التحركات الأخيرة تشير إلى رفع مستوى الجاهزية الأمريكية في المنطقة، رغم عدم إعلان البنتاغون ارتباط التدريبات بأي هدف عسكري محدد.
ومن بين السيناريوهات المطروحة، احتمال شن عمليات واسعة ضد شبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة في كوبا، التي تنشط في مناطق الغابات والسهول الاستوائية الوعرة، ما قد يتطلب أساليب قتال تعتمد على تكتيكات حرب العصابات. 
ورغم استبعاد انخراط الولايات المتحدة في حرب برية شاملة داخل الجزيرة الكوبية، فإن ذلك لا يلغي احتمال تنفيذ عمليات محدودة ومركزة تستهدف قيادات هذه الشبكات، على غرار العمليات التي نفذت ضد رؤوس كارتلات المخدرات في المكسيك، ومنها كارتل «إل تشابو». ويتمثل السيناريو الثاني المحتمل في تنفيذ عملية عسكرية خاطفة تستهدف الزعيم الكوبي راؤول كاسترو، على غرار عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع العام الجاري.  ورغم صعوبة تحديد موقع كاسترو بدقة، تشير تقديرات إلى أنه يتحرك بشكل متواصل برفقة إجراءات أمنية مشددة وحماية شخصية كبيرة، بهدف تفادي أي محاولات رصد أو استهداف.
وبناء عليه، فإنّ المهمة تفترض توغلا بريا محدودا في محيط منطقة وجود كاسترو والقيام بتبادل لإطلاق النار مع وحدة حمايته، قبل القبض عليه ونقله إلى الولايات المتحدة لمقاضاته، بحسب الخبراء. 
السّيناريو الثّالث، يتجسّد في الإيهام بالتحضير لعملية عسكرية في كوبا قصد توجيه ضربة قاصمة لـ»نيكاراغوا»، وهي فرضية غير مستبعدة في ظلّ التّقارير الإخباريّة شبه الرسمية التي تتحدث عن تخصيصها لـ10% من أراضيها لفائدة الشركات الصينية المختصة في الطاقة والتعدين، وفي ظلّ تسارع العقوبات الاقتصادية الأمريكية على نظام «أورتيغا».    
وفي المحصلة، يرى خبراء ومراقبون أن إجراء تدريبات عسكرية في بيئات تحاكي التضاريس الكوبية يعكس استعداد واشنطن لمرحلة جديدة من التعامل مع هافانا، وسط قراءات تشير إلى أن الخيار العسكري بات حاضرا ضمن حساباتها إلى جانب المسار السياسي. 
كما يعتبرون أن هذه التحركات قد تكون مرتبطة بالتخطيط لمرحلة ما بعد راؤول كاسترو، بما تحمله من احتمالات لإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في كوبا والمنطقة اللاتينية عمومًا. 
ورغم تأكيدات البنتاغون أن مناورات أدغال بنما تهدف إلى رفع جاهزية القوات في البيئات الاستوائية ولا تستهدف دولة محددة أو ترتبط بخطة عسكرية بعينها، فإن توقيتها بالتزامن مع إنشاء قيادة عسكرية موحدة للمنطقة وتصاعد التحذيرات بشأن كوبا يعزز التكهنات بأن واشنطن تبقي جميع الخيارات مفتوحة، بما فيها الخيار العسكري، للتعامل مع أي تطورات محتملة في محيطها الإقليمي.