تراجع أمريكي عن «النزع الكامل»
قمة ترامب وكيم تتجه لضبط السلاح النووي
تتجه قواعد الحوار المنتظر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، في حال انعقاده، نحو التفاوض بشأن إدارة السلاح النووي بدلًا من نزعه، في ظل الأوراق التي باتت بحوزة بيونغ يانغ مع مرور الوقت.
وقد تتمحور طاولة التفاوض حول إمكانية تجميد إنتاج بيونغ يانغ للمواد الانشطارية، ووضع سقف لتوسيع الترسانة النووية، والاتفاق على وقف التجارب النووية، واستعادة بعض أشكال التفتيش والمراقبة، وإنشاء قنوات اتصال عسكرية لمنع سوء التقدير، ووضع قواعد تحول دون انتقال أزمة محلية إلى مواجهة نووية.
إدارة المخاطر ومنع الحرب
وستتمثل قيمة أي حوار بين ترامب وكيم، إذا حدث، في إدارة المخاطر ومنع الحرب، وليس بالضرورة تحقيق نزع السلاح النووي بشكل فوري، وهو ما يعكس الفرق الجوهري بين مفاوضات 2018-2019 والبيئة الاستراتيجية الحالية، في وقت تتمسك فيه بيونغ يانغ أكثر بمكانتها النووية، في ظل علاقتها مع روسيا وتعاونها العسكري معها، الذي أضاف بُعدًا جديدًا إلى حساباتها الأمنية.
ورفضت كوريا الشمالية قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية المطالب بوقف أنشطتها النووية، مؤكدة أن وضعها كدولة نووية «غير قابل للتراجع».
واتهمت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي ذات النفوذ، الوكالة الدولية للطاقة الذرية بازدواجية المعايير، بعد اعتمادها قرارًا ينتقد برنامج الأسلحة النووية لبيونغ يانغ.
ويقول الباحث في الشؤون الآسيوية، الدكتور محمد بايرام، إن بيونغ يانغ ترى أن السلاح النووي يؤدي وظائف أساسية في مواجهة الولايات المتحدة، في مقدمتها حماية النظام ورفع قيمته على طاولة المفاوضات، لا سيما أن الدولة عندما تستثمر لسنوات في الرؤوس النووية والصواريخ، فإن التخلي عنها يعني التنازل عن بيئة أمنية كاملة.
السيادة والأمن الوطني
وأفاد بايرام بأن نزع السلاح بات أمرًا معقدًا، لأن كوريا الشمالية لا تتعامل معه باعتباره ورقة مؤقتة، في ظل ربط الخطاب الرسمي بين السيادة والأمن الوطني ومصداقية القوة النووية، ما يعكس حجم الفجوة بين هدف واشنطن وموقف بيونغ يانغ.
وتابع أن معضلة ترامب تتلخص في أنه إذا تفاوضت بلاده مع كوريا الشمالية على أساس أنها دولة نووية قائمة بحكم الأمر الواقع، فقد يحصل على قيود وإجراءات للحد من المخاطر التي تمتلكها.
لكن مجرد إقامة بيونغ يانغ هذا النوع من الحوار قد تستخدمه لإظهار أن واشنطن بدأت تتعامل معها باعتبارها قوة نووية يجب التفاوض معها، وليس دولة ينبغي أن تتخلى عن ترسانتها.
واستكمل بالقول إن بيونغ يانغ قد تسعى إلى تقديم أي حوار أمريكي-كوري شمالي على أنه حوار بين دولتين نوويتين لإدارة مخاطر التصعيد، بدلًا من كونه مفاوضات حول نزع السلاح، ومن هنا فإن صيغة الحوار ذاته قد تصبح جزءًا من المعركة الاستراتيجية.
وخلص بايرام إلى أن كيم يريد الحصول على اعتراف عملي بأن واشنطن مضطرة إلى التعامل مع الواقع النووي لبلاده، وتخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات، وتقليص التدريبات العسكرية حول شبه الجزيرة، والحصول على ترتيبات تحظر الضربة الاستباقية وتحد من مخاطر سوء التقدير.
النووي التفاوضي
في المقابل، يرى الخبير في العلاقات الدولية، الدكتور طلعت سلامة، أن ما يجري يمثل تحولًا حقيقيًا من النووي التفاوضي إلى الردعي الدائم، موضحًا أنه كان من الممكن في السابق النظر إلى برنامج بيونغ يانغ باعتباره ورقة ضغط تفاوضية، من خلال التعامل مع تطور الصواريخ ثم الانتقال إلى مرحلة التفكيك مقابل رفع العقوبات وتقديم الضمانات الأمنية. لكن هذا المنطق تغير تمامًا، وفق سلامة ، منذ إصدار القانون النووي في بيونغ يانغ عام 2022، إذ كُرّس الوضع النووي في الإطار الدستوري، وأصبحت كوريا الشمالية تتعامل معه باعتباره ضمانة لبقاء النظام، ولا يمكن التخلي عنه أو التفاوض بشأنه مقابل أي صفقات.
ويؤكد سلامة أن كوريا الشمالية لا تكتفي بالاحتفاظ بما لديها من إمكانيات نووية، في ظل ما تشير إليه تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن استمرار رفع قدرات تخصيب اليورانيوم وتطوير مواقع أخرى، ما يعني أن المسألة تتعلق ببناء دائم للقدرات النووية. وأضاف أنه إذا دخل ترامب الحوار مع بيونغ يانغ بشروط مسبقة تتعلق بنزع السلاح النووي، فإن الفجوة معها ستظل كبيرة جدًا، في ظل إعلان كوريا الشمالية صراحة أن هذا المبدأ غير قابل للتفاوض، بينما لا تزال واشنطن وحليفتاها اليابان وكوريا الجنوبية متمسكة بالنزع الكامل للسلاح النووي لدى جارتها الشمالية. ولا يعني ذلك، بحسب سلامة، أن الحوار بات بلا قيمة، إذ يمكن أن ينتقل المسار من كيفية نزع السلاح إلى كيفية منع استخدامه والحد من مخاطره، بما يفتح الباب أمام ملفات قابلة للتفاوض، مثل منع التصعيد العسكري، ووضع قنوات اتصال مباشرة بين الجانبين، والحد من التجارب الصاروخية أو إنتاج المواد الانشطارية.
واعتبر سلامة أن النقطة الأهم سياسيًا هي أن ترامب، إذا دخل الحوار، لن يتعامل مع القضية باعتبارها مجرد صفقة نووية، بل سيكون الأمر بمثابة إدارة واقع نووي قائم بالفعل، مع إبقاء هدف نزع السلاح النووي ضمن الموقف الأمريكي الرسمي.