كيف تؤثر موجات الحر على كيمياء الدماغ وإدراك البشر؟

كيف تؤثر موجات الحر على كيمياء الدماغ وإدراك البشر؟

كشفت أبحاث ودراسات علمية أن تأثير الارتفاع القياسي في درجات الحرارة لا يقتصر على الخمول وسرعة الانفعال فقط، بل يمتد ليعيد تشكيل كيمياء الدماغ، ويضعف القدرات الإدراكية، وصولًا إلى التسبب في تراجع دائم ومزمن في حجم المادة الدماغية الرمادية.
وجاء إلغاء جلسات "أسبوع المناخ في لندن" 2026، إثر قبة حرارية بلغت 35 درجة مئوية في أماكن غير مجهزة، ليلفت الأنظار مجددًا إلى اتساع رقعة الإجهاد الحراري الذي يطال سنويًا مليار شخص إضافي مقارنة بمستويات عام 1970، وفق دورية "نيتشر لتغير المناخ".

تراجع الوظائف العليا
وتعمل الأدمغة البشرية ضمن نطاق حراري ضيق بين 36 و41 درجة مئوية، وعند ارتفاع حرارة الجسم، تبدأ منطقة "تحت المهاد" بالاستجابة عبر إفراز التعرق وضخ الدم للجلد لتبريده، ما يقلل كميات الأكسجين الواصلة إلى الأعضاء الحيوية والدماغ.
وأوضحت الدكتورة بورجين إيكيز، عالمة الأعصاب ومؤسسة مجموعة "نيورو كلايمت ووركينغ غروب"، أن الحرارة تدفع الدماغ للتركيز على الوظائف الأساسية للبقاء، فيما ترحل الوظائف المعقدة، مثل اتخاذ القرارات والتنظيم العاطفي للمرتبة الثانية، كما يحدث اضطراب في النواقل العصبية مثل السيروتونين، والدوبامين، والنورادرينالين، ما يفسر حدوث "التعب المركزي" وزيادة العدوانية وسرعة الانفعال.

ضربات الشمس
وعندما تتجاوز درجة الحرارة الداخلية 40 درجة مئوية، يتعرض الإنسان لضربة شمس قد تؤدي لانهيار الحاجز الدموي الدماغي وتسرب مواد سامة.
وكشفت دراسات أُجريت على مرضى أُدخلوا العناية المركزة في باريس بسبب ضربات الشمس أن نصف الناجين استمروا في المعاناة من أعراض عصبية طويلة الأمد.
من جانبه، أشار الدكتور جيسون لي، مدير مركز "المرونة الحرارية والأداء" بالجامعة الوطنية في سنغافورة، إلى أن الفحوصات بالرنين المغناطيسي لأشخاص بلغت حرارتهم الداخلية 39.5 درجة مئوية أظهرت تثبيطًا للنشاط في مناطق التحكم الحركي والوظائف التنفيذية وضعف الذاكرة والمعالجة الحسية. 
التأثير التراكمي
ولا تقتصر الآثار على الأداء اليومي، حيث أظهرت مراجعة نشرت في مجلة" لانست لصحة الكوكب" لجامعة أوكسفورد أن ارتفاع الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة يرفع محاولات الانتحار بنسبة 1.5% إلى 1.7%، ويزيد دخول المستشفيات لأسباب نفسية بنسبة 10%.
ووجدت دراسة في "مجلة الجمعية الطبية الأمريكية للطب النفسي" زيادة بنسبة 8% في زيارات الطوارئ النفسية في أثناء الأيام الحارة، وتزداد المخاطر لدى من يتناولون أدوية نفسية تؤثر على تنظيم الحرارة.
وعلى المدى الطويل، أظهرت دراسة لجامعة "تسينغهوا" ببكين شملت 41 ألف شخص من "بنك المملكة المتحدة الحيوي" أن التعرض لحرارة أعلى من 27 مئوية على مدار 20 عامًا ارتبط بتقلص حجم الدماغ في مناطق حيوية كالمخيخ والحصين والمهاد، بما يشبه تسريع الشيخوخة. كما أظهرت أبحاث أخرى أن التعرض للحرارة الشديدة قبل الولادة وبعدها يرفع خطر تأخر النمو العصبي للأطفال بنسبة تصل إلى 53%.

طرق للوقاية
ولتفادي هذه المخاطر، يوصي الخبراء بزيادة اللياقة البدنية والتمارين لتعزيز الجهاز القلبي الوعائي، والتأقلم التدريجي مع الحرارة.
وأثبتت الأبحاث أن المشروبات الثلجية المجروشة تبرد الجسم والدماغ أسرع من الماء البارد بفضل مفهوم "حرارة الانصهار الكامنة".
وعلى المستوى الجماعي، تتزايد المطالبات بالتوسع في المساحات الخضراء، وتصاميم المباني ذات التبريد السلبي، وتفعيل خطط الطوارئ المناخية لمواجهة التغيرات الجوية المتسارعة. 

الإجهاد الحراري
يعيش نحو 560 مليون طفل بالفعل كل عام شهراً إضافياً واحداً على الأقل في حرارة خطرة بسبب تغير المناخ، في تهديد يعرض صحتهم لخطر جسيم. ويتعرض الأطفال اليوم لعدد أكبر بكثير من أيام الإجهاد الحراري في السنة مقارنة بالأجيال السابقة، وهو عبء يُتوقع أن يزداد، وفقاً لدراسة جديدة.
وأظهر باحثون في جامعة "Vrije Universiteit Brussel" أن الفئات الأصغر سناً تواجه مخاطر صحية غير متكافئة، تشمل ضغطاً فسيولوجياً مباشراً وتهديدات غير مباشرة مثل انعدام الأمن الغذائي والمائي. 
ونُشرت هذه النتائج في مجلة "Science Advances"، حيث بينت أن ما يصل إلى 560 مليون طفل تقل أعمارهم عن 9 سنوات يعيشون كل سنة شهراً إضافياً واحداً على الأقل من الإجهاد الحراري بسبب تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري.
وقالت المؤلفة الرئيسية للدراسة، روزا بيترويستي: "إن تغير المناخ يتسبب بالفعل في معاناة مئات ملايين الأطفال من حرارة خطيرة في أنحاء العالم، ما يشكل مخاطر جسيمة على صحتهم".
وأضافت: "في الوقت نفسه، تجعل الفقر، وسوء السكن، وضعف القدرة على التبريد، وأنظمة الرعاية الصحية المثقلة بالأعباء كثيراً من الأطفال بلا وسائل كافية لحماية أنفسهم من الحرارة".