G5 Holding تستعرض أحدث منتجاتها الدفاعية وقدراتها الصناعية بمعرض مراكش للطيران 2026
كيف يدفع المدنيون ثمن «حرب المسيّرات» في مالي؟
تكشف حرب المسيّرات التي تخوضها القوات المسلحة المالية بدعم من عناصر «الفيلق الأفريقي» الروسية عن وجه آخر للعمليات العسكرية التي تقدمها باماكو باعتبارها جزءًا من معركة استعادة السيطرة على شمال البلاد.
وبينما أصبحت الطائرات المسيّرة أداة رئيسة في ملاحقة الجماعات المسلحة والانفصالية والتنظيمات المتشددة، تشير تحقيقات صحفية وبيانات متخصصة إلى أن المدنيين يدفعون ثمنًا متزايدًا لهذه العمليات، وسط تساؤلات بشأن دقة تحديد الأهداف وآليات اتخاذ قرار القصف. وكشف تحقيق استقصائي أجرته مجلة «جون أفريك» الفرنسية بالتعاون مع منصة بيلينغكات وبمشاركة منظمة ذا سنتري، جرى خلاله تحليل نحو 60 ضربة جوية وانفجارًا، وإعادة بناء 12 ضربة بصورة مستقلة، اعتمادًا على صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو والشهادات وبقايا الذخائر. وأوضح التقرير أن التحقيق وثق مقتل 146 مدنيًا في الضربات التي تم التحقق منها، فيما تشير بيانات منظمة (ACLED) المتخصصة في رصد النزاعات إلى سقوط 731 مدنيًا خلال ثلاث سنوات نتيجة 199 ضربة صُنفت على أنها استهدفت المدنيين أساسًا.
ضربة أماسراكاد
يروي التحقيق حادثة وقعت في قرية أماسراكاد شمال شرقي مدينة غاو في 17 آذار- مارس 2024، عندما استهدفت ضربة أولى مركبة قرب مساكن المدنيين، قبل أن يلجأ أفراد عائلتين، بينهم نساء وأطفال، إلى الاحتماء تحت سقيفة قريبة. وبحسب شهادات جمعها التحقيق، وقعت ضربة ثانية استهدفت المكان الذي احتمى فيه السكان، ما أدى إلى مقتل 13 شخصًا، بينهم أطفال، وإصابة آخرين. وأظهرت تسجيلات مصورة وصور التقطها السكان موقع الضربة، فيما أعلنت القوات المسلحة المالية لاحقًا أنها تمكنت من «تحييد إرهابيين» وتدمير معدات عسكرية. وتكشف هذه الواقعة، وفق «جون أفريك»، الفجوة بين الرواية الرسمية والوقائع التي وثقها الباحثون ميدانيًا، مسلطة الضوء على حجم الخسائر المدنية الناتجة عن العمليات الجوية.
المسيّرات
وأوضح التقرير أن استخدام المسيّرات توسع بصورة كبيرة منذ وصول المجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا إلى السلطة عام 2020، قبل أن تتسارع وتيرة الاعتماد عليها منذ 2023 مع حصول مالي على طائرات تركية من طراز «بيرقدار TB2» و»أكينجي»، إلى جانب استخدام طائرات روسية مسيّرة، بما في ذلك نماذج انتحارية. وتمنح هذه المنظومة القوات المالية قدرة أكبر على تنفيذ عمليات الاستطلاع والهجوم في مناطق شاسعة يصعب الوصول إليها برًا، كما ساعدت، بحسب التحقيق، في تحقيق مكاسب ميدانية ضد الجماعات المسلحة.
لكن التقرير كشف أن التطور التكنولوجي لم يحد من الخسائر المدنية، بل أثار تساؤلات حول آليات تحديد الأهداف ومدى الالتزام بالإجراءات العسكرية والقانونية الخاصة بحماية المدنيين.
ضحايا مدنيين
بحسب بيانات (ACLED)، فإن نحو 27% من العمليات الهجومية للقوات المالية وشركائها الروس تنفذ باستخدام الضربات الجوية والقصف، فيما تؤدي نحو ربع هذه العمليات إلى سقوط ضحايا مدنيين.
وتشير الأرقام إلى تغير واضح مقارنة بالسنوات السابقة؛ إذ سجلت المنظمة سبع ضربات فقط أوقعت 73 قتيلًا مدنيًا بين عامي 2019 و2022، بينما ارتفع العدد إلى 199 ضربة و731 قتيلًا مدنيًا خلال الفترة الممتدة من أيلول- سبتمبر 2023 إلى أيلول- سبتمبر 2026.
وقال باحثون إن تكرار سقوط المدنيين قد يشير إلى مشكلات مرتبطة بجمع المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف والتحقق منها، وليس إلى أخطاء فردية معزولة.
تساؤلات حول تحديد الأهداف
وأشار التقرير إلى أن بعض الضربات استهدفت مركبات وأنشطة تجارية مثل نقل الوقود أو المواشي، إضافة إلى منشآت صحية، ما يثير تساؤلات بشأن المعايير المستخدمة لتحديد الأهداف العسكرية.
ويبرز التحقيق مفهومًا وصفه باحثون بـ»الإدانة بالموقع»، أي اعتبار وجود شخص أو نشاط في منطقة تخضع لنفوذ جماعات مسلحة دليلًا كافيًا على الارتباط بها.
وتقول «جون أفريك» إن هذا النهج قد يؤدي إلى توسيع دائرة الأهداف المحتملة، بما يزيد من مخاطر تعرض المدنيين للقصف.
وأوضح التقرير أن تحديد المسؤولية عن الضربات يزداد تعقيدًا بسبب تعدد الأطراف المشاركة في العمليات.
وبحسب التقرير لا تقتصر آثار حرب المسيّرات على الخسائر البشرية، إذ تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، مع تأثر أنشطة الرعي والزراعة والتجارة المحلية، إضافة إلى نزوح سكان من مناطق القتال نحو المناطق الحدودية.
كما أصبحت المسيّرات جزءًا من الرواية الإعلامية للحرب، إذ تبث وسائل الإعلام الرسمية المالية بصورة متكررة مشاهد لضربات جوية تقدمها السلطات باعتبارها دليلًا على استعادة الدولة لسيادتها وقدرتها العسكرية.