لوبان وميلوني وفايدل.. «ثالوث نسائي يميني» قد يغير مستقبل أوروبا

لوبان وميلوني وفايدل.. «ثالوث نسائي يميني» قد يغير مستقبل أوروبا


ثلاث نساء، وثلاث قوى من اليمين الأوروبي، وموعد انتخابي قد يعيد رسم مستقبل القارة في 2029.. الفرنسية مارين لوبان تراهن على الوصول إلى الإليزيه، والإيطالية جورجيا ميلوني تختبر قدرة اليمين على الحكم من داخل المؤسسات، فيما تدفع الألمانية أليس فايدل باتجاه مراجعة أسس الاندماج الأوروبي.
ورغم تقاطعهن في التشدد تجاه الهجرة والدفاع عن الهوية الوطنية، فإن خلافاتهن بشأن روسيا والاقتصاد ومستقبل الاتحاد الأوروبي تضع حدوداً لأي تحالف بينهن.
فهل تمهّد الزعامات الثلاث لتحول أوروبي واسع نحو اليمين، أم أن التنافس والانقسامات ستمنع تحوّل صعودهن إلى مشروع سياسي موحّد؟

نساء في أحزاب ترفض النسوية
المفارقة الأولى أن لوبان وميلوني وفايدل يقدن أحزاباً نشأت في بيئات سياسية يغلب عليها الرجال، وتدافع غالباً عن الأسرة التقليدية وأدوار النوع الاجتماعي المحافظة، ولا تتبنى النسوية بصيغتها الفكرية المعروفة.
وتقول مابل بيريزين، أستاذة علم الاجتماع ومديرة معهد الدراسات الأوروبية في جامعة كورنيل لمجلة “لكسبريس”، إن صعود هؤلاء النساء لا يعني تحول اليمين المتطرف إلى حركة نسوية، “فهن يقدمن نسخة خاصة من القوة النسائية، تقوم على الصلابة والانضباط والقدرة على تمثيل الأمة، لا على تفكيك البنى المحافظة». 
وتضيف “أن النظم الأوروبية التي وفرت للنساء فرصاً أكبر في التعليم والعمل والسياسة ساعدت على وصول نساء إلى قيادة اليمين أيضاً، بما في ذلك اليمين الذي يعارض النسوية».
وتدعم دراسة أكاديمية مقارنة هذا الاستنتاج. فقد حللت كلارا-جوزفين إيرنست وهنرييت مولر، الباحثتان في العلوم السياسية والقيادة السياسية، خطباً ومؤتمرات صحفية للزعيمات الثلاث بين عامي 2011 و2024، وخلصتا إلى أن صورتهن القيادية تتسم بثقة عالية بالنفس وبمستوى مرتفع من عدم الثقة بالآخرين.
كما وجدت الباحثتان أن الفروق بينهن وبين الرجال الشعبويين محدودة، بينما تختلف صورتهن بوضوح عن صور القيادات النسائية غير الشعبوية.

لوبان.. التطبيع قبل الوصول
تمثل لوبان الجيل الأقدم في هذا المسار. فقد ورثت حزباً أسسه والدها جان ماري لوبان، ثم أمضت سنوات في عملية “نزع الشيطنة” عن صورته، بتخفيف بعض الخطابات الأكثر استفزازاً ومحاولة تحويله من حركة احتجاج إلى حزب يمكنه الفوز بالرئاسة. 
تكمن قوة لوبان في جمعها بين خطاب اجتماعي اقتصادي موجّه إلى الطبقات الشعبية، وموقف متشدد من الهجرة والهوية الوطنية، لكنها تواجه عقبة سياسية وقانونية تجعل الحديث عن وصولها الشخصي إلى الإليزيه بحلول 2029 غير محسوم.
إدانتها في قضية اختلاس أموال، قد تفرض على حزبها البحث عن بدائل قيادية محتملة، وعلى رأسها جوردان بارديلا، حتى لو بقيت لوبان مركز الثقل الرمزي والسياسي للحزب.
ولهذا، فإن السؤال الأهم هو: هل سيصل “التجمع الوطني” إلى الحكم؟ أم يصبح القوة التي تفرض على الرئاسة الفرنسية والبرلمان الأوروبي تغيير أجندتهما؟.
نجاح الحزب في ترسيخ نفسه كقوة أولى سيؤثر في سياسات الهجرة والميزانية والعلاقة مع بروكسل، حتى قبل توليه السلطة.

ميلوني.. نموذج اليمين الذي تعلم الحكم
تختلف  ميلوني عن لوبان وفايدل في أنها تخوض تجربة الحكم فعلياً. فقد انتقلت من حزب “إخوة إيطاليا” ذي الجذور المرتبطة بالحركة الاجتماعية الإيطالية إلى قيادة حكومة مستقرة نسبياً، ونجحت في تقديم نفسها في أوروبا باعتبارها شريكة عملية لا ثورية. 
وتكشف تجربتها أن اليمين المتطرف يستطيع دخول المؤسسات وتغيير السياسات من الداخل من دون التخلي عن كل رموزه، غير أن الثمن هو فقدان جزء من راديكاليته، وهو ما يخلق ضغطاً من جناحه الأيمن، خصوصاً في ملفات روسيا والاقتصاد والهجرة.

فايدل.. الأكثر صراحة
تقود فايدل مشروعاً أكثر صدامية مع البنية الأوروبية. فقد قالت إن حزب “البديل من أجل ألمانيا” سيعمل، إذا وصل إلى الحكومة بعد انتخابات 2029، على التخلي عن اليورو ومغادرة منطقة شنغن. وهذه ليست مجرد تعديلات على سياسة الاتحاد، بل تهديد مباشر لركيزتين من ركائز اندماج ألمانيا في أوروبا.
كما أن موقف فايدل من روسيا أكثر قرباً من الدعوة إلى إعادة بناء العلاقات مع موسكو، في وقت تتمسك فيه ميلوني بدعم أوكرانيا وتتبنى لوبان خطاباً وسطياً بين إدانة الحرب والدعوة إلى حل دبلوماسي.  
ويشير تحليل نشرته “تيليغراف” إلى أن الخلاف حول بوتين وأوكرانيا يعوق حتى الآن قيام كتلة أوروبية يمينية عابرة للحدود.
الأرقام البرلمانية تشرح حجم الفرصة وحجم العائق معاً. فالمجموعات اليمينية الصلبة في البرلمان الأوروبي موزعة بين المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، الذي يضم حزب ميلوني، و”الوطنيين من أجل أوروبا”، الذي يضم حزب لوبان، و”أوروبا الدول ذات السيادة». 
ولو اتحدت هذه المجموعات لبلغت نحو 195 مقعداً، بما يمنحها نفوذاً كبيراً على التشريعات ويدفع حزب الشعب الأوروبي إلى اليمين. لكن الانقسام بشأن روسيا، إضافة إلى التنافس على القيادة، يمنع هذا السيناريو حتى الآن.
كابوس أم إعادة تشكيل؟
لا تكمن خطورة “الثالوث النسائي” في احتمال تشكيل تحالف شخصي بين لوبان وميلوني وفايدل، فهذا الاحتمال تصطدم به الخلافات الأيديولوجية والحسابات الوطنية. 
الخطر الحقيقي هو أن تنجح كل واحدة منهن في تطبيع جزء من أجندة اليمين داخل بلدها أو داخل المؤسسات الأوروبية. 
ميلوني تثبت أن اليمين الراديكالي يمكن أن يصبح شريكاً مقبولاً إذا خفف لغته الخارجية وحافظ على صلابته الداخلية. ولوبان توسع قاعدة حزبها عبر تقديمه باعتباره ممثلاً للطبقات المهمشة. أما فايدل فتدفع النقاش الألماني نحو أسئلة كانت تعد سابقاً من المحظورات، مثل مستقبل اليورو والتعاون مع روسيا.
وبحلول 2029، قد لا تكون أوروبا أمام “إمبراطورية نسائية” موحدة، بل أمام ثلاثة مسارات لليمين: يمين يتعلم الحكم مثل ميلوني، ويمين يسعى إلى السيطرة على الدولة مثل لوبان، ويمين يريد إعادة تعريف الدولة الأوروبية نفسها مثل فايدل.وما سيحسم النتيجة لن يكون جنس الزعيمات، بل قدرة الأحزاب التقليدية على معالجة الهجرة والركود الاقتصادي وفقدان الثقة، قبل أن تحول هذه الملفات اليمين المتطرف من احتجاج انتخابي إلى نظام سياسي بديل.