رئيس الدولة ورئيس وزراء الهند يؤكدان أهمية تعزيز التنمية والاستقرار والازدهار في العالم
خبراء: ما ندر أن يتمكن رئيس من إحداث تغييرات كبرى في عامه الأول
ماذا فعل ترامب في العام الأول من الولاية الثانية؟
يؤكد الخبراء والمتابعون للشأن الأمريكي أنّه قلّ وندر أن يتمكن رئيس أمريكي من إحداث تغييرات كبرى على كافة الجبهات والمجالات في عامه الأوّل، كما يفعل الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية، والذي أوقع زلزالًا هزّ بشكل عنيف ما كان يُنعت في الأمس القريب بـ»ثوابت السياسة الأمريكية».
ويشير المراقبون إلى إمكانية تصنيف «ترامب» ضمن الرؤساء أصحاب المدارس في الخيارات والاتجاهات، فهو لا يشبه غيره من الرؤساء السابقين، وفي الوقت ذاته هو لا ينتمي إلى أيّ مقاربة سياسية كلاسيكية مجسدة في الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري، ذلك أنّه خارج هذه التصنيفات التقليدية، حتى وإن كان أقرب إلى الحزب الجمهوري منه إلى الديمقراطي.
ولئن صحّت عبارة «أنه صاحب مدرسة خاصة به في إدارة الدولة»، فبالإمكان القول إنّ مدرسته التي اتضحت معالمها خلال السنة الأولى من ولايته الثانية تكمن في 4 أبعاد كبرى، وهي «الحرب على البيروقراطية الداخلية والدولية»، و»إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي وتجلياته»، و»الحرب الاقتصادية المعلنة على الصين»، وإطفاء حروب وإشعال أخرى».
في هذا المنحى – أي الحرب على البيروقراطية الأمريكية والدولية- يؤكد المراقبون أنّ الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية صار أكثر توثبًا في حربه هذه من ولايته الأولى والتي كانت محتشمة ويبدو أنّ الأخير كان يتلمس خلالها حدود الممكن والممنوع وتخوم المستطاع والمحظور.
ففي يوم تنصيبه رئيسا لعهدة رئاسية ثانية، ذاته، أي في الـ20 من يناير 2025، وقّع ترامب أمرا تنفيذيا بعنوان «الإلغاءات الأولية للقرارات والإجراءات التنفيذية الضارة» – وحمل الرقم 14148-، ألغى وحدَه 78 قرارا تنفيذيا ومذكرة رئاسية لسالفه جو بايدن. وتشير التقارير الواردة من واشنطن إلى أنّ ترامب ألغى ما يقرب من 90 إلى 92 في المائة من القرارات والوثائق التي وقّعها بايدن سيما منها تلك الموصوفة بالموقعة بـ»القلم الآلي» بدعوى أنها تفتقر للشرعية القانونية لعدم توقيعها باليد. بل وتفيد السجلات الفيدرالية الموثقة أنّ ترامب أصدر خلال عام واحد فقط أكثر من 225 أمرا تنفيذيا، وهو رقم قياسي لم يسبقه إليه أحد منذ عهد فرانكلين روزفلت.
يعتبر ترامب وفريقه أنّ ما قاموا به هو ضرب للبيروقراطية الأمريكية أو ماينعتونها بـ»الدولة الأمريكية العميقة» التي تحول دون تطور واشنطن، حيث أحيا ساكن البيت البيضاوي «الجدول أف F» الوظيفي، والذي بمقتضاه يصير الآلاف من موظفي الخدمة المدنية موظفين سياسيين يسهل فصلهم.
كما ألغى جميع الأوامر التي تدعم «الهوية الجندرية الجنسية»، في المدارس والجيش، وأصدر في المقابل أوامر تحدد الجنس بيولوجيًّا بين ذكر وأنثى، وأعاد العمل ببرامج التنقيب المكثف عن النفط والغاز في الأراضي الفيدرالية والمياه العميقة. وفي المحصلة، تشير السجلات إلى أنّ ترامب- الولاية الثانية أصدر 225 أمرا تنفيذيا خلال العام الأول «2025»، فيما أصدر ترامب- الولاية الأولى 58 أمرا تنفيذيا فقط في السنة الأولى «2017»، ما يثبت منسوب الجرأة الذي بات يتمتع به ساكن البيت الابيض مقارنة بالعهدة الأولى، فيما تكشف المصادر أنّ بايدن أصدر خلال عامه الأوّل «2021»، 77 أمرا تنفيذيا فقط.
الحرب على البيروقراطية الدولية
حرب ترامب على البيروقراطية لم تكن محلية فقط، بل تعدتها إلى الأبعاد الدوليّة، فما كان عامه الأول في البيت الأبيض ينقضي حتّى وقّع على مذكرة رئاسية وصفت بالتاريخية توجّه خلالها بالانسحاب الفوري والمجدول من 66 منظمة وكيان دولي، 31 منظمة أممية و35 أخرى غير تابعة لها. وتعدّ أبرز المنظمات المنسحب منها، «اليونيسيف، واليونسكو، والأونروا، ومجلس حقوق الإنسان»، إضافة إلى «منظمة الصحة العالمية»، أما الاتفاقيات فأهمّها «الاتفاقية الأممية الإطارية بشأن تغير المناخ» «وهي خطوة ثانية تلت الخطوة التي أقدم عليها في يناير 2025 بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ». وقد اعتبرت إدارة ترامب أنّ هذه المنظمات تتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية، أو هي تروّج لأجندات العولمة على حساب السياسة الأمريكية، أو أنها تتسم بعدم الكفاءة.
وهي كلّها مفردات تستعملها واشنطن لسحب عبارة «الدولة العميقة» من الداخل الأمريكي إلى الإقليمي والدوليّ.
بسط نفوذه على الجزء الغربي من المعمورة
الزلزال الترامبي لم تقف هزاته وارتداداته عند جدران «الدولة العميقة»، بل بَلَغَت الجزء الغربي من المعمورة، من شماله حيث «غرينلاند» الجزيرة القطبية، مملكة المعادن والطاقة المخبئة، وكندا الامتداد الجغرافي لأمريكا، وإلى جنوبه حيث «بحر الكاريبي» و»الفضاء اللاتيني».
اختار ترامب مخاطبة النصف الغربي من المعمورة، من خلال عقيدة إستراتيجية أمنية، أصدرها في خريف 2025، وأعقبها بتصريحات وسياسات وعمليات لجنود النخبة، حوّلت وعده إلى عمل، والمكتوب إلى أمر مقضي.
ولم يكن إحياء مبدأ «مونرو» من حيث إعلان الجبهة الغربية من المعمورة أرضا مشاعا أمريكية، إلا مقدمة لإحياء مبدأ «دونرو» – نسبة لاسم دونالد مع محاكاة للقديم-، وهو مبدأ قوامه تنظيف الجهة الغربية من ثلاث لوثات –وفق الخطاب الأمريكي-، المارسكية وتياراتها، والصين وطريقها، وروسيا وسلاحها. وبناء عليه، فقد أقدم ترامب على مصفوفة من الرسوم الجمركية التي طالت كافة صادرات أمريكا اللاتينية، بل وبلغت مستوى الـ100 في المائة ضدّ صادرات البرازيل، ثم أعقبها بحرب مفتوحة ضدّ المخدرات والعصابات التي يتهمها بالمتاجرة بهذه الآفة، فملأ البحر الكاريبي بوارج عسكرية أمريكية ومدمرات وغواصات ومسيرات انقضاضية ومقاتلات لا تكاد تغادر سماء أمريكا اللاتينية.
غير أنّ المورطين في المخدرات، لم يكونوا فقط تجارا ومهربين، بل أيضًا رؤساء دول وحكومات ووزراء رفيعو المستوى وقادة جيوش وجنرالات وضباط، وبناء عليه فقد أصدر قرارا غريبا باصطياد «رئيس فنزويلا» وعقيلته من المجمع العسكري في العاصمة كاراكاس لاقتيادهما للمحاكمة في نيويورك.
وقد تمّ له ذلك، في عملية نخبوية لنخبة الدلتا، أفضت إلى مقتل العشرات من الحراس الشخصيين لنيكولاس مادورو، في ليلة تاريخية لم تبح بعد بكل أسرارها.
حديد وحرير
ولئن كان التلويح بـ»الحديد» معدن التعامل مع فنزويلا، وكوبا وكولومبيا والمكسيك والشيلي، فإنّ الحرير كان جوهر التعامل مع الأرجنتين مع رئيسها الشعبوي خافيير ميلي، ومع هندوراس التي نجح حليف ترامب، نصري عصفورة من الوصول إلى سدّة السلطة فيها.
ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، يعلن رئيس أمريكي أنه سيقطع المساعدات المالية واللوجستية عن بلد، في حال لم ينتخب المقترعون حليفه، وقد كان له ما أراد، حتى وإن وصفت رئيسه هندوراس المنتهية ولايتها كاسترو، ما حصل بالانقلاب السياسي الانتخابي.
وبين الحديد والحرير، تعامل ترامب مع كندا وغيرلاند، مؤكدًا أهميتهما في مقتضيات الأمن القومي الأمريكي، وضرورة أن يكونا جزءا من الولايات المتحدة، آجلا أو عاجلا، بسطوة الدولار أو بسلطة النار.
الصين العدو الأكبر
أمّا الصين، وهي الدولة التي يعتبر ترامب أنّها «العدو الإستراتيجي والحقيقي» لواشنطن، فإنّ المراقبين والمتابعين للشأن الأمريكي يؤكدون أنّ السنة الأولى من حكمه تقاطعت وتداخلت فيها 3 سياسات كبرى، وهي: «الحرب الاقتصادية» و»دعم أعداء الصين»، و»البحث عن بدائل للمعادن النادرة والثمينة».
أما بالنسبة للضلع الأول، فرغم إعلان ترامب الحرب الاقتصادية على الصين ممثلة في الرسوم الجمركية على السلع الصينية، فإنّ الرد الصيني المماثل، أدخل الشركات التكنولوجية الكبرى في متاهة بالنظر لحاجتها الشديدة للمعادن الثمينة والنادرة التي تحتكر الصين سلسلة استخراجها وتثمينها وتوريدها وتصديرها؛ ما دفعه إلى تعليق القرار. ولئن أكّد ترامب التوصل إلى حل ثنائي مع نظيره الصيني، حول الرسوم الجمركية، إلا أنّه لم يَصدر شيء رسمي من الدولتين، بالإمكان البناء عليه. بل على العكس تمامًا، فقد فرضت الإدارة الأمريكية «مطلع الأسبوع الفارط»، رسماً جمركياً جديداً بنسبة 25% على واردات أشباه الموصلات المتقدمة «الرقائق» المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. أمّا بالنسبة «للضلع الثاني»، فإنّ ترامب استمر في دعم تايوان وفي تأييد مطلب الاستقلال عن تايوان، وقد أبرم معها صفقة سلاح متوسط وثقيل بلغت 11 مليار دولار، الأمر الذي اثار غضب بكين. أمّا الضلع الثالث، فإنّ ترامب يسعى إلى خلق بدائل عن المعادن النادرة والثمينة الصينية، سواء في ميانمار أو في الكونغو الديمقراطية أو حتى في أوكرانيا.
الدفع مقابل الدفاع عن أوكرانيا
وفي أوكرانيا، دخل ترامب بقوّة في المشهد الأوكراني، رافضًا مقاربة جو بايدن، التي تقول بضرورة استكمال المسار الحربي، مهما كانت التكاليف وتوظيف كافة المقدرات لإلحاق الهزيمة بروسيا. اعتبر ترامب منذ الأسابيع الأولى، أنّه لا يمكن فتح الترسانة العسكرية الامريكية أمام حُكام كييف، دون مقابل مادي، فأملى على الأوروبيين شرط «السلاح الأمريكي» بالمال الأوروبي، دون ان تستوعب عبارة «السلاح الأمريكي»، الأسلحة النوعية على غرار صواريخ «توماهوك». وبعد اجتماع صاخب في واشنطن بين ترامب المتبرم من المشهد وفلاديمير زيلينسكي المنتشي بالدعم الأوروبي والسخاء الديمقراطي الأمريكي، ألقى ترامب بثقله في المكاسرة الأوكرانية الروسية، متقدمًا بـ»ورقة ميامي»، قد تكون الأخيرة أساس اتفاق دائم لوقف الحرب في المنطقة، وإن كانت نصوصها تنطق بالانتصار الروسي، وبعض فصولها السرية تتحدث عن النصيب الأمريكي من كعكة المعادن النادرة والثمينة في أوكرانيا. ولئن كان للرجل سلامه في أوكرانيا وغزّة «حيث نجح في إيقاف آلة الحرب الإسرائيلية عل القطاع»، فللرجل أيضا حروبه الاستثنائية، حيث شاركت الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل في حرب الأيام الـ12 ضدّ إيران، وعلى خلاف كافة سابقيه حوّل التهديد والوعيد إلى عمليات عسكرية حقيقية، استهدفت المشروعين النووي والصاروخي الإيرانيين، في مقتل.
بواعث للقلق الترامبي.
ولكن، ولئن كان الرجل يريد أن يسوّق نفسه، كرجل الصفقات الكبرى والحروب الكبرى والتسويات الكبرى، فثمة ما يدعوه إلى القلق، فالحلف الأطلسي بات أقرب إلى التفكك من أي وقت آخر على وقع تهديداته بغزو غرينلاند وافتكاكها من التاج الدنماركي، والحلفاء الأوروبيون الذين كانوا بالأمس العضد والسند، باتوا اليوم يبحثون عن عقائد عسكرية دفاعية أوروبية بمنأى عن واشنطن، و»القوة الناعمة» التي كانت تحظى بها واشنطن في المنتظمات الإقليمية والدولية صارت اليوم محل تساؤل بل وتشكيك... أمّا التباين الأمريكي الإسرائيلي، فهو ملاحظ بشكل واضح في أكثر من ملف وصعيد، لعل آخره، تركيبة مجلس السلام وصلاحياته وأدواره في غزة، إضافة إلى التنافس في سوق السلاح، وتأكيد بنيامين نتنياهو أنّ إسرائيل تسعى إلى الوصول إلى الاكتفاء الذاتي العسكري خلال أعوام قليلة فقط.
أمّا داخليًّا، فمطالب الانسحاب والانفصال من الاتحاد الفيدرالي تتصاعد، من كاليفورنيا، وألاسكا، وكارولينا إلى تكساس، والمظاهرات الشعبية في اطّراد، والأهم انّ البعبع الديمقراطي في الطريق، ولئن كان منصب عمدة نيويورك يمثل المقدّمة، فإنّ انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس ومجلس النواب قد تكون النهاية....
عن هذا السيناريو المخيف يتحدث ترامب بقلق وتململ ظاهرين، قائلًا لأصدقائه وحلفائه «تبّاً.... إنّ الديمقراطيين يريدون عزلي»... فهل يكون عام 2026 كذلك؟؟؟؟ فلننتظر.