مالي على صفيح ساخن.. كيف تعرقل هجمات المتطرفين إمدادات الوقود الحيوية؟
على الرغم من تشديد الإجراءات الأمنية، وتفعيل آليات إدارية طارئة، والتعبئة السياسية على أعلى مستويات الدولة، لا تزال أزمة الوقود تُلقي بظلالها الثقيلة على مالي، لتكشف عن عمق اختلالات تتجاوز مجرد نقص مؤقت في الإمدادات.
فالهجمات المسحلة، والقيود اللوجستية، وضعف البنية التحتية، إلى جانب الهلع الشعبي من انقطاع الوقود، تضافرت لتُبقي البلاد في حالة شلل جزئي يصعب الخروج منها، وفق مجلة «جون أفريك».
بعد أسابيع من الهدوء النسبي، عادت طوابير السيارات لتصطف مجدداً أمام محطات الوقود، خصوصاً في العاصمة باماكو، في مشهد أعاد إلى الواجهة أزمة اندلعت أساساً إثر الحصار الذي فرضته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على طرق الإمداد.
وجاء هذا التطور في وقت كانت فيه السلطات قد تحدثت عن تحسن «دائم» في الوضع، ما كشف أن الانفراج لم يكن سوى مؤقت، وأن الحلول المعتمدة لا تزال هشة أمام أزمة ذات جذور هيكلية عميقة.
استجابة حكومية واسعة
منذ تفجر الأزمة في سبتمبر الماضي، لجأت حكومة الجنرال أسيمي غويتا إلى تفعيل عدة آليات مؤسسية. وأُعيد تشغيل اللجنة الوزارية المشتركة لإدارة الأزمات والكوارث، التي أُنشئت عام 2017 لكنها ظلت شبه معطلة لسنوات.
وتضم اللجنة، برئاسة رئيس الوزراء عبد الله مايغا، وزراء ومسؤولين بارزين، من بينهم وزيرا الدفاع والأمن، الجنرالان ساديو كامارا وداود علي محمدين، بهدف تنسيق استجابة متعددة القطاعات لأزمة النفط.
وشملت الإجراءات العملية تسريع التخليص الجمركي للمنتجات البترولية، حيث تراجعت مدة انتظار ناقلات الوقود في مكاتب الجمارك من 72 ساعة إلى 24 ساعة بحلول نهاية نوفمبر.
وعلى الصعيد الأمني، نُشرت القوات المسلحة المالية بكثافة على المحاور الاستراتيجية، ولا سيما الطريقين الوطنيين رقم 1 و7 اللذين يربطان البلاد بالسنغال وساحل العاج، وهما شريانان حيويان لإمدادات الطاقة. وفي هذا الإطار، أطلق غويتا في 21 أكتوبر عملية “فوكا كيني” “التطهير”، بقيادة العميد فاموكي كامارا، رئيس أركان الحرس الوطني، بهدف تحييد الجماعات المسلحة في جنوب البلاد وتأمين وصول الوقود إلى باماكو والمناطق الأخرى.
ورغم أن القوافل تحركت لأسابيع دون حوادث كبيرة، باستثناء هجوم محدود تبنته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في السادس من ديسمبر، فإن هذه النجاحات الميدانية لم تكن كافية لإنهاء النقص بشكل دائم.
كلفة أمنية مرتفعة واستدامة موضع شك
يعتمد تعامل الدولة مع الأزمة بشكل أساس على المقاربة العسكرية، غير أن هذه المقاربة تثبت أنها مكلفة وغير قابلة للاستمرار على المدى الطويل.
كما أن تأمين قافلة وقود تضم نحو مئة ناقلة يتطلب حشد مئات الجنود، وتوفير مراقبة جوية، وتأمين طرق متهالكة لمسافات طويلة، في عمليات قد تمتد لعشرات الساعات انطلاقاً من الحدود السنغالية أو الإيفوارية.
ويؤكد مصدر أمني مالي أن وصول القوافل ليس منتظماً، إذ قد تمر أسابيع قبل وصول شحنة كبيرة، ما يؤدي إلى عودة النقص سريعاً حتى بعد فترات من الاستقرار النسبي.
ولمواجهة ذلك، قررت الحكومة زيادة حجم القوافل، حيث تجاوز عدد ناقلات آخر قافلة كبرى وصلت إلى باماكو أواخر ديسمبر 680 ناقلة.
غير أن جزءاً كبيراً من هذه الإمدادات يُخصص لمحطات الطاقة الحرارية التابعة لشركة “إينرجي دو مالي”، التي تعتمد على الوقود لتوليد أكثر من 70% من الكهرباء، إضافة إلى احتياجات المصانع وقطاع التعدين والمؤسسات الحكومية، ما يقلل الكميات المتاحة للاستهلاك المدني.
تكشف الأزمة أيضاً عن ضعف هيكلي خطير يتمثل في محدودية سعة التخزين. فمالي، التي يقدّر استهلاكها السنوي بنحو 1.3 مليون متر مكعب من الوقود، لا تمتلك سوى قدرة تخزين تقارب 54 ألف متر مكعب، أي ما يكفي بالكاد لتغطية شهر واحد من الاستهلاك.
هذا القصور جعل البلاد عاجزة عن امتصاص الصدمات، ودفع السلطات إلى دراسة إنشاء احتياطي وطني للطوارئ يكفي شهرين أو ثلاثة أشهر.
وتشير معلومات إلى أن الحكومة بدأت بالفعل باستخدام منشآت بعثة الأمم المتحدة السابقة قرب مطار باماكو لتخزين الوقود. إلى جانب التحديات الأمنية واللوجستية، يلعب العامل النفسي دوراً متزايداً في تفاقم الأزمة. فمع تصاعد المخاوف من انقطاع الإمدادات، يعمد المواطنون إلى تخزين كميات كبيرة من الوقود، ما يرفع الطلب بشكل غير طبيعي.
وبحسب مكتب المنتجات البترولية المالي، يبلغ متوسط الاستهلاك اليومي 3.5 مليون لتر، يُستهلك نحو 60% منها في العاصمة وحدها، وهي أرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار الذعر.
حرب غير متكافئة واستهداف الاقتصاد
منذ سبتمبر 2025، غيّرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين استراتيجيتها، فباتت تستهدف قوافل الوقود والبنية التحتية الاقتصادية، في محاولة لضرب الدولة في صميم قدرتها على الصمود. وتعتمد الجماعة على تكتيكات خفيفة وسريعة، ما يجعل مواجهتها تحدياً معقداً لقوات تعتمد بشكل أساس على التفوق الناري.
وفي هذا السياق، يعترف قادة عسكريون بأن الجيش يواجه حرباً غير متكافئة، يصعب فيها تحقيق نصر حاسم، خصوصاً في ظل اندماج المسلحين مع السكان المحليين.
وفي ظل استمرار المواجهة المسلحة، وغياب حلول سياسية أو اقتصادية جذرية، تبدو أزمة الوقود في مالي مرشحة للاستمرار؛ فطالما بقيت طرق الإمداد عرضة للهجمات، والبنية اللوجستية ضعيفة، والخوف الشعبي متصاعداً، سيظل نظام أسيمي غويتا عالقاً في مأزق تتجاوز أبعاده مجرد أزمة طاقة، ليعكس أزمة دولة تواجه تحديات أمنية وهيكلية متشابكة.