محطة «تلفزيون الكويت من دبي».. النواة الأساسية لانطلاق «تلفزيون دبي»
تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم واحدة من أكثر المنظومات الإعلامية تطوراً وتأثيراً على مستوى العالم، وتشهد هذه المنظومة تنوعاً كبيراً وخاصة في الإعلام المرئي، الذي يبث عبر عشرات القنوات الفضائية، وبلغات متعددة، العديد من البرامج الهادفة التي تستحوذ على جمهور كبير، وفي العودة إلى جذور هذا النجاح والتميز نجد لحظات تاريخية ما زالت حاضرة في الوجدان الإماراتي، لحظات توثق لانطلاق بث محطة "تلفزيون الكويت من دبي" التي انطلقت في التاسع من سبتمبر من العام 1969، في خطوة شكلت نموذجاً رائداً للتعاون الخليجي، من خلال بناء صرح إعلامي إماراتي مرئي، قبل قيام الاتحاد والإعلان عن دولة الإمارات العربية المتحدة.
وجاء إطلاق المحطة استجابة لطلب مباشر من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وبتوجيه من القيادة الكويتية التي قدمت الدعم التقني والمادي والبشري لتجهيز المحطة وتشغيلها، لتكون امتداداً لنجاح تجربة الكويت الرائدة في مجال الإعلام المرئي على مستوى الخليج العربي والمنطقة العربية في ذلك الوقت، ولتؤدي الكويت دوراً مهماً في دعم وتطوير قطاع الإعلام في الإمارات، قبل قيام الاتحاد.
وشهد حفل الافتتاح الرسمي للمحطة حضوراً رفيع المستوى ضم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والمغفور له الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، فيما بث الحفل كلمة مسجلة للمغفور له الشيخ جابر الأحمد الصباح. وألقى المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم كلمة شكر فيها دولة الكويت الشقيقة على دعمها، فيما تحدث المغفور له الشيخ صباح الأحمد الجابر عن عمق العلاقات بين البلدين الشقيقين، في مشهد جسد روح التعاون الخليجي التي سبقت التأسيس الرسمي لدولة الإمارات العربية المتحدة.
وشكل "تلفزيون الكويت من دبي" النواة الأساسية لانطلاق "تلفزيون دبي"، فقد كان نتيجة للجهود الكبيرة التي بذلتها الكويت لتجهيز المحطة بالمعدات والأجهزة والأدوات، ورفدها بالموارد والمواد التلفزيونية اللازمة لتشغيلها.
كما كان الإعلام الكويتي من الأقدم في الخليج، وكان له تأثير اجتماعي وثقافي واضح في تطور الإعلام الإماراتي عبر تبادل الخبرات بين الإعلاميين والطلاب من البلدين.
ولم يقتصر دور "تلفزيون الكويت من دبي" على البث فقط، بل استعان بطاقم من المذيعين الكويتيين المعروفين مثل جاسم الشهاب، وصالح الجيشي، وماجد الشطي لنقل خبراتهم إلى الجانب الإماراتي. كما ساهمت هذه المحطة في تدريب أول جيل من المخرجين والمذيعين الإماراتيين الذين قادوا الإعلام المحلي لاحقاً، ومنهم: أحمد قاسم العلي، وسعيد الغيث، وحصة العسيلي.
وخلال تلك الفترة أدار المحطة طاقم إداري وفني من الكويتيين والإماراتيين والعرب، بقيادة الإعلامي الكويتي محمد المهنا، وكانت مدة البث اليومي 4 ساعات مسائية، ثم صارت 6 ساعات، ومع قيام الاتحاد والإعلان عن دولة الإمارات العربية المتحدة، أصبح البث 8 ساعات مسائية، وفي الفترة الصيفية كان هناك بث صباحي.
وكان مقر "تلفزيون الكويت من دبي" في منطقة "القصيص"، وبلغ عدد العاملين فيه حينها 63 موظفاً، وتزايد العدد حتى أصبح أبناء الإمارات ممن جذبهم العمل في الحقل الإعلامي يشكلون نسبة 90 بالمئة، مع نسبة إنتاج محلي إماراتي موازٍ لما كانت تقدمه الكويت، بالإضافة إلى ما يعرض من إنتاجات أخرى لبرامج عربية وأجنبية.
وكان الإنتاج الكويتي من مسلسلات وبرامج يشكل نحو 25 بالمئة من إجمالي المحتوى المعروض، مما ساهم في تشكيل الذائقة الفنية والوعي الثقافي للجمهور الإماراتي في تلك الفترة. وتعاقب على إدارة محطة "تلفزيون الكويت من دبي" 3 إدارات، تركت كل منها بصمتها الخاصة، حسب متطلبات كل مرحلة، إذ تولى الإعلامي الكويتي محمد مهنا، رئاسة أول إدارة للمحطة، قاد خلالها مجموعة عمل قدمت من الكويت، وبذل جهوداً كبيرة لتجهيز المحطة بكل ما يلزم من معدات وأجهزة ومكاتب، واستوديوهات للأخبار والبرامج.
ثم تولى الإدارة الإعلامي الإماراتي جاسم شهاب، الذي قاد مجموعة عمل محلية بالكامل، بذلت ما في وسعها لتقديم برامج جديدة وتطوير عمل المحطة، وهو ما مكن المحطة من الوصول إلى ما نسبته 50 بالمئة للإنتاج المحلي من ساعات البث. وفي المرحلة الثالثة في تلك الفترة، تولى الإعلامي حمد مؤمن إدارة محطة "تلفزيون الكويت من دبي"، واستمر بدفع عجلة الإنتاج المحلي، مع إضافات تتعلق بمجريات الأحداث التي تزامنت مع عقد أصحاب السمو حكام الإمارات في تلك الحقبة عدة اجتماعات تمهيداً لقيام دولة الاتحاد. وفي مساء الثاني من ديسمبر 1971، تم الإعلان عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، ليتمَّ بعدها افتتاح بث المحطة التلفزيونية، بالنشيد الوطني وعلم دولة الإمارات، وتحت اسم جديد: "تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي"، ولتواصل المحطة مسيرتها لمدة سبع سنوات ونصف لغاية العام 1979 تحت هذا الاسم.