منصور بن زايد: الإمارات، تواصل ترسيخ نهجها الإنساني في مد يد العون للمجتمعات المتضررة
من شرق وغرب إلى شمال وجنوب.. شبح الانقسام التاريخي يحوم حول أوروبا
تتعمق الانقسامات بين دول القارة العجوز، فبينما يرى شمال القارة أن روسيا تمثل الخطر الأول، يعتقد الجنوب أن الهجرة غير النظامية، وتغير المناخ، هما التحديان الأكثر إلحاحاً، وهو ما ينذر بتصدع يعيد إلى الأذهان خصومات الحرب الباردة.
ويرى الكاتب البريطاني جانان غانيش، في صحيفة «فايننشال تايمز»، أن أوروبا تشهد عودة تدريجية إلى انقسامها التاريخي بين الشمال والجنوب، بسبب اختلاف جوهري في إدراك مصادر التهديد والأولويات الأمنية.
ويستند الكاتب إلى الخلاف الأخير الذي أثاره رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بعدما وصف بعض الدول الأوروبية بـ»الأنانية» إثر اقتراحها تشديد الإجراءات على إسبانيا عقب تصاعد الهجرة إلى مدينة سبتة.
ويشير إلى أن سانشيز نفسه يتعرّض لانتقادات من شركائه الأوروبيين بسبب رفضه رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مبرراً ذلك بأن روسيا لن تعبر جبال البيرينيه لغزو إسبانيا.
ويؤكد التقرير أن هذا الموقف يعكس اختلافاً في النظرة إلى الأمن داخل القارة؛ فدول شمال أوروبا، القريبة جغرافياً من روسيا، تعتبر موسكو التهديد الرئيس الذي يفرض تعزيز القدرات العسكرية، بينما ترى دول الجنوب أن تغير المناخ والحرائق والجفاف والهجرة القادمة من أفريقيا تمثل أخطاراً أكثر إلحاحاً بالنسبة لها.
ويلفت الكاتب إلى أن إيطاليا، رغم مواقف رئيسة وزرائها جورجيا ميلوني المتشددة تجاه روسيا، لا تختلف كثيراً عن إسبانيا في ملف الإنفاق العسكري، إذ لم تحقق سوى الحد الأدنى المستهدف في الناتو (2% من الناتج المحلي)، كما تظهر استطلاعات الرأي أن الإيطاليين من أقل الشعوب الأوروبية تأييداً لزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي ملف الهجرة، يوضح التقرير أن دول جنوب أوروبا تتحمل العبء الأكبر بحكم موقعها الجغرافي على البحر المتوسط، بينما تعتمد دول الشمال على هذه الدول لحماية الحدود الخارجية للاتحاد. ويحذّر من أن استمرار تدفق المهاجرين قد يدفع دول الشمال إلى المطالبة بإعادة فرض قيود على حرية التنقل داخل الاتحاد، بما قد يؤدي إلى إضعاف أو حتى تفكيك نظام شنغن بصيغته الحالية.
ويرى الكاتب أن الانقسام بين الشمال والجنوب ليس ظاهرة أوروبية استثنائية، بل هو نمط متكرر في دول عديدة، مثل: إيطاليا، وبلجيكا، وألمانيا، والهند، ونيجيريا، وحتى الولايات المتحدة، حيث تؤدي الاختلافات الجغرافية والمناخية إلى تباينات اقتصادية، وثقافية، وسياسية عميقة.
ويخلص التقرير إلى أن الحرب في أوكرانيا أعادت فتح فجوة كانت قد بدأت تضيق خلال العقد الماضي، إذ كانت دول جنوب أوروبا قد نفذت إصلاحات اقتصادية قلصت الفوارق مع الشمال. أما اليوم، فقد عاد الانقسام من بوابة الأمن والدفاع، وسط اختلاف واضح في إدراك طبيعة المخاطر التي تواجه القارة.
ويحذّر الكاتب من أن أوروبا، التي انقسمت لعقود بين شرق وغرب خلال الحرب الباردة، قد تجد نفسها الآن أمام انقسام جديد بين شمال وجنوب، وهو انقسام قد يؤثر في مستقبل الاتحاد الأوروبي، وفي مساعي بناء قوة دفاعية موحدة، وربما في مكانة بعض الدول داخل المشروع الأوروبي نفسه.