باريس تُسدل الستار على «منتدى تريندز السنوي السادس « بدعوة لسياسات أوروبية حازمة واستجابة موحدة لمواجهة خطر «الإخوان»

من قصر لوكسمبورغ بمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مجلس اللوردات البريطاني:جهود فكرية لتفكيك الإسلام السياسي

من قصر لوكسمبورغ بمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مجلس اللوردات البريطاني:جهود فكرية لتفكيك الإسلام السياسي

اختتم «تريندز للبحوث والاستشارات»، بالشراكة مع «تريندز جلوبال»، أعمال محطته الثانية والختامية من منتدى تريندز السنوي السادس حول الإسلام السياسي، التي أُقيمت في القاعة الثانية بقصر لوكسمبورغ بمقر مجلس الشيوخ الفرنسي بالعاصمة باريس، عقب انعقاد جزئه الأول في مجلس اللوردات بالعاصمة البريطانية لندن.
وجاء المنتدى هذا العام تحت عنوان: «استجابة أوروبية موحدة لمواجهة تهديد جماعة الإخوان المسلمين»، متناولاً التحولات الهيكلية والرقمية لنشاط الجماعة في القارة الأوروبية، وآليات معالجة الثغرات القانونية والأمنية لتطوير استجابة دولية مشتركة.
من لندن إلى باريس: الانتقال من التفكيك الفكري إلى التأثير المؤسسي
شهدت جلسات المنتدى في باريس حضوراً لسيناتورات، ودبلوماسيين، وخبراء، وباحثين وأكاديميين من أوروبا وتريندز. وأكد المشاركون أن الانتقال بين العاصمتين عكس تحولاً من فهم وتفكيك البنية الفكرية والتنظيمية للتطرف في لندن، إلى تطوير آليات عمل واستجابات موحدة في باريس. وفي الكلمة الترحيبية، أشارت رئيسة الجلسة السيناتورة نتالي جوليه، عضو مجلس الشيوخ الفرنسي عن مقاطعة أورن، إلى أن بعض الأحزاب السياسية الأوروبية تعرقل الفاعلية التنفيذية من خلال استغلال «الإسلام السياسي»، مؤكدة أن أوروبا تمول أعداءها أحياناً تحت مظلة «التنوع»، مما يتطلب توسيع دائرة التعاون الدولي لمواجهة هذه المخاطر. كما شددت على ضرورة إعادة النظر في الميزانية الأوروبية المخصصة للمنح البحثية، وقطع التمويل عن المشاريع التي تُستغل لخدمة أجندات أيديولوجية.

توحيد الجهود
وفي الكلمة الرئيسية للمنتدى، حذّر سعادة الدكتور خليفة مبارك الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، من المخاطر الفكرية والسياسية التي تشكلها جماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي على أمن المجتمعات واستقرار الدولة الوطنية.
وأكد الظاهري أن الجماعة عملت على «اختطاف الدين» واختزاله في أيديولوجية حزبية ضيقة، وتوظيف المفاهيم الشرعية لتمرير أجندات تمكين سياسية تُقوض قيم المواطنة والانتساب الوطني. وأوضح أن أيديولوجيات الإسلام السياسي، بشقيها السني والشيعي، تنبعان من مرجعية فكرية واحدة وترتبطان بالمعين الأيديولوجي ذاته، وهو ما تُفسَّر به التقاطعات والتحالفات التاريخية الممتدة بين التنظيم وإيران منذ بداياته الأولى. وفي السياق الدولي، وجه مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية دعوة صريحة إلى العواصم الأوروبية بضرورة توحيد الجهود وتصنيف الجماعة؛ داعياً أوروبا إلى الاقتداء بالخطوات والسياسات الأمريكية الصارمة في تصنيف الجماعة ومواجهة خطر «الإسلاموية»، ومحذراً من حالة التردد التي تشهدها بعض الدول الغربية، في وقت تتحمل فيه الإمارات والعالم العربي المسؤولية الكاملة لمواجهة هذا التنظيم وحظر أنشطته العابرة للحدود.

ذاكرة مؤسسية
من جانبه، ألقى فهد المهري، الباحث الرئيسي في «تريندز»، مدير باروميتر تريندز ، كلمة افتتاحية رئيسية نيابة عن الدكتور محمد عبد الله العلي، رئيس مجلس إدارة مركز تريندز ، أوضح فيها أن الانتقال من لندن إلى باريس يُعد انتقالاً في مستوى السؤال، من فهم ما يسبق العنف وكيفية تشكل البنية الفكرية، إلى كيفية تحويل هذا الفهم إلى قدرة مشتركة على الفعل ودعم سياسات صناع القرار.
وأكد أن المشكلة اليوم لم تعد في غياب المعرفة، بل في تشتتها؛ حيث يعمل الفاعل العابر للحدود بمنطق الشبكة، بينما تستجيب المؤسسات الوطنية بمنطق القطاع، مشدداً على أن «تريندز» يسعى إلى تأسيس ذاكرة مؤسسية ومساحة عربية-أوروبية مشتركة لإنتاج معرفة تراكمية تُحوّل التحليل إلى سياسة والمعلومة إلى نظام إنذار مبكر. وأضاف أنه قد آن الأوان لتتحرك أوروبا وتحذو حذو الولايات المتحدة في تجريم جماعة الإخوان وتصنيفها تنظيماً إرهابياً، بل والتطلع إلى موقف أكثر تقدمية، بالنظر إلى أن الضرر الأوروبي بات أكثر وضوحاً.

الجلسة الأولى: تعزيز التنسيق الأوروبي — الترتيبات المؤسسية والاستراتيجية
ترأس الجلسة أندريه رايشاردت، نائب رئيس لجنة الشؤون الأوروبية السابق بمجلس الشيوخ، محذراً من التغلغل طويل المدى للجماعة عبر الشبكات المدنية، ومشدداً على وجوب التفرقة بين المسلمين الملتزمين بالقانون كمكون طبيعي للمجتمع، وبين استخدام الدين كأيديولوجية وسلطة. ودعا رايشاردت إلى مواجهة توسع الجماعة في فرنسا وإيطاليا عبر تحركات تشريعية، كحظر الجمعيات المشبوهة، معيداً التذكير بالنموذج الإماراتي في التسامح والدعوة إلى تنسيق ثلاثي بين أبوظبي وباريس وروما. وتضمنت الجلسة مداخلات شملت السير جون جينكنز (الدبلوماسي البريطاني السابق) ومستشار بمركز الجغرافيا السياسية، جامعة كامبريدج، الذي أكد أن تجميع المعارف الأوروبية يجب أن يسبق التنسيق الأمني، مستشهداً بالدروس المستفادة من اعتداءات باريس 2015. وركّز على التطور السوسيولوجي للجهادية والتحدي الرقمي الذي تتجاوز فيه الأفكار التنظيمات الفعلية بسبب الخوارزميات، مقترحاً إنشاء بنية تحتية بحثية موحدة تعتمد «المراقبة الذكية».
بدوره، قال د. اليمين سيتول أستاذ مشارك وعضو فريق أبحاث الدفاع والأمن، المعهد الوطني للفنون والحرف بباريس ، نوه بتجربة شبكة (RAN) لمكافحة التطرف، مشيراً إلى تعقد التقييم الإحصائي لنفوذ الإخوان في فرنسا، وأرجع جاذبية التطرف إلى ضعف العرض السياسي التقليدي لدى الشباب، داعياً إلى بنية بحثية تركز على توحيد المفاهيم وتبادل البيانات وتتبع الفضاء الرقمي بدراسات مقارنة طويلة الأمد.
كما شدد الكاتب ديفيد أبراهام على أن حل التطرف الرقمي لا يقف عند إزالة المحتوى، بل يتطلب التعليم المدرسي الوقائي، مستعرضاً النموذج الإماراتي في ترجمة التسامح إلى إصلاحات تعليمية، مع التأكيد على تأهيل الطلاب بالتفكير النقدي وحفظ الهوية الوطنية.
بدوره، أوضح الإمام محمد التوحيدي مستشار شؤون مكافحة التطرف والإرهاب لدى تريندز للبحوث والاستشارات، وعضو اللجنة العليا في المجلس الإسلامي العالمي لعلماء الدين، أن الإخوان «تنظيم سياسي» وليس فرقة دينية، وبالتالي فإن نقدهم ليس إسلاموفوبيا، منتقداً التغاضي الغربي عن جذورهم الأيديولوجية والتقسيم بين جناح سياسي وعسكري.
أما بدرية الريامي وحمد الحوسني (باحثان رئيسيان في تريندز)، فقد تناولا نفوذ الجماعة عبر الجمعيات العابرة للحدود واستخدام أدوات التجنيد الحديثة كالذكاء الاصطناعي وألعاب الفيديو، داعين إلى تعزيز الشفافية المالية وأدوات القياس المعرفي كـ»مؤشر نفوذ الإخوان».

الجلسة الثانية: المشهد الإسلاموي الرقمي — الحوكمة والتدابير الوقائية
أدار الجلسة د. وائل صالح، باحث رئيسي - مدير مكتب تريندز في فرنسا وكندا، والذي حذر من «مفارقة الإسلاموية المعاصرة» بكونها تشبه الإله الروماني «يانوس» بوجهين؛ حلم بالماضي وتوجه للمستقبل عبر التكنولوجيا. واستشهد صالح بدراسة كامبريدج (يوليو 2026) حول توظيف «بوكو حرام» للذكاء الاصطناعي في التخطيط واللوجستيات والتسلح، داعياً إلى قيادة المستقبل بأدوات حديثة.
وتلا ذلك عرض من المشاركين، وهم ماركوس شيف (الرئيس التنفيذي لـIMPACT-se)، حيث كشف عن نموذج تعليمي تطبقه منظمة «قرية أطفال غزة» (Gaza Children Village) لتفكيك التطرف لدى 21 ألف طالب عبر 14 أكاديمية، مستلهماً منهج التربية الأخلاقية الإماراتي وسلسلة «بذور الأمل» والفلسفة للأطفال لتدريب 229 معلماً، مؤكداً إمكانية توطين هذا النموذج لتدريب المعلمين داخل المجتمعات الإسلامية في أوروبا.
أما أوليفيه فيال، مدير مركز CERU، فأشار إلى أنه تتبع مراحل تطور استراتيجية الإخوان في فرنسا عبر 3 عقود؛ من إعادة الإسلام الهوياتي، إلى مرحلة «الإسلاموية التنويرية/الاستيقاظية» (Islamo-wokisme) عبر منصات مثل AJ+ بالتقاطع مع التيارات الغربية (Woke)، وصولاً إلى مرحلة تمييع الخطاب في الإعلام العام منذ 2023. وأشار إلى وجود 32% من الشباب المسلم في فرنسا (18-24 سنة) يشعرون بالقرب من الإخوان، مع اختراق بيئات أكاديمية بارزة.
بدورها، أكدت شمسة القبيسي (باحثة في تريندز) أن الجماعة بتركيبتها العابرة للحدود تشكل تهديداً كلياً لـ»الدولة الوطنية الحديثة» ومفهوم المواطنة، موضحة دور أبحاث تريندز في كشف السلوك الموازي لتلك الشبكات.
كما بين د. جيسون أولسون (مسؤول العمليات بوزارة الحرب الأمريكية سابقاً) أن المواجهة فكرية تنويرية وليست أمنية فقط، مستهدفاً الفضاء الرقمي والمنصات السبرانية كساحة فاصلة ضد الجماعات المتطرفة لحماية الشباب وتطوير مهارات النقد لديهم.

الجلسة الثالثة: مكافحة تمويل الإرهاب — النهج العالمية وأفضل الممارسات
ترأست الجلسة السيناتورة نتالي جوليه، التي دعت إلى إعادة النظر في الميزانية الأوروبية وقطع التمويل عن مشاريع الأبحاث الإسلامية؛ حيث كشفت عن أرقام محددة للمنح تشمل 2.049 مليون يورو لمشروع عن الصوفية، و2.5 مليون يورو لرسم خرائط القانون الإسلامي، و2 مليون يورو لمشروع الأدب اليهودي في العالم الإسلامي، إلى جانب مشروع تاريخ المسيحيين في الأندلس، واصفة الميزانيات المخصصة بـ»الفوضى العارمة»، وداعية إلى الحسم البرلماني الدولي تجاهها.
وأثرى الجلسة المتحدثون الدوليون، وكشفت إميلي نيلسون وينكلر (المؤسسة ورئيسة مجموعة VALOP) عن تقاطعات بين شبكات الإخوان والجريمة المنظمة، مؤكدة تورطهم في عمليات إجرامية كبرى كصيد وحيد القرن غير المشروع وتهريب المخدرات والاحتيال وغسيل الأموال، مطالبة بتطبيق «نهج شامل لسيادة القانون» لملاحقة الشبكات المالية المعقدة. أما أليساندرو بيرتولدي (المدير التنفيذي لمعهد ميلتون فريدمان)، فحذر من تمدد الإخوان في إيطاليا كساحة جديدة للتوسع، واستعرض القرارات التشريعية الفرنسية لحماية مبادئ الجمهورية. كما كشفت الجلسة عن مخاطر الهجرة غير الشرعية التي تدر 7 مليارات يورو سنوياً وتستفيد منها المنظمات الإرهابية، مستشهداً بضبط شبكة تهريب في بولندا حولت أكثر من 10 ملايين يورو لحزب الله واستخدمت العملات المشفرة لتمويل جماعة الإخوان.
إلى ذلك، استعرض الباحث خميس الحوسني الجذور التاريخية لنشأة الإخوان في مصر عام 1928 وكيفية وضعهم الأرضية الأيديولوجية للتطرف، مشيداً بالموقف الفرنسي في تسمية «الإسلام السياسي» وتصنيفه كتنظيم إرهابي منذ 2014، والتأكيد على التحالف الوثيق بين فرنسا والإمارات لحماية القيم الحضارية المشتركة بلغة تواصل علمية باللغة الفرنسية.

التوصيات وختام المنتدى
خرج المنتدى في ختام أعماله بقصر لوكسمبورغ بخارطة طريق وتوصيات استراتيجية تؤكد على ضرورة إيجاد إطار مفاهيمي وأمني موحد عبر توحيد التشريعات القارية المتعلقة بمراقبة التمويل الأجنبي للجمعيات والمؤسسات الثقافية، وتأسيس نظام إنذار مبكر ورصد رقمي للمراقبة الذكية لخطابات الاستقطاب والتجنيد عبر الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي وألعاب الفيديو قبل تحولها إلى تهديدات ميدانية.
كما طالب المنتدى بـمقاربة شاملة لتجفيف التمويل وملاحقة الأنشطة الاقتصادية للجماعة عبر العدسة الشاملة لسيادة القانون والجريمة المنظمة، واعتماد التعليم كركيزة أمنية وقائية من خلال دمج التفكير النقدي والدراية الرقمية وترسيخ قيم المواطنة في المناهج المدرسية لحماية الأجيال الناشئة.