من مادورو إلى خامنئي.. كيف «يصطاد» ترامب الرؤوس الكبيرة؟

من مادورو إلى خامنئي.. كيف «يصطاد» ترامب الرؤوس الكبيرة؟


خلال أقل من عام، خاضت الولايات المتحدة الأمريكية 3 جولات عسكرية حاسمة ضد كل من إيران وفنزويلا، متّبعة استراتيجية أمنية وعسكرية تهدف إلى "قطع رأس الهرم" لإرباك دفاعات الخصم. وفي كل مرة، كانت واشنطن تنجح في توجيه الضربة الأولى الصادمة، مخرجة القادة السياسيين من المشهد برمته، إما عبر الاعتقال كما حدث في كاراكاس، أو عبر عمليات الاستهداف المباشر.
وتشير الشواهد العسكرية الممتدة من طهران إلى فنزويلا، إلى مشهدية متكررة، فخلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من اندلاع المواجهة، تكون واشنطن قد أنجزت هدفها الرئيس بتحييد القيادة العليا.
هذا "الاصطياد" المبكر يُدخل الطرف الآخر في دوامة من الفوضى، ويجبره على الانشغال باسترداد الأنفاس وترتيب ملفات القيادة البديلة، بدلاً من التركيز على آليات الرد العسكري أو التعامل مع الأزمات المتراكمة ميدانياً.

"الاصطياد الخاطف" 
ففي الحرب الأولى ضدّ إيران والمسماة بحرب الـ12 يوما، تمكنت واشنطن بمعية إسرائيل من القضاء على قيادات الصف الأولى العسكرية واستهداف نخبة العلماء النوويين بمجموعة من العمليات العسكرية الدقيقة في طهران وغيرها من المدن والمحافظات الإيرانية الكبرى. 
وفي فنزويلا، لم تحتج واشنطن كثير وقت، لـ"اصطياد" الرئيس نيكولاس مادورو من مجمعه الرئاسيّ في العاصمة كاراكاس، في عملية عسكرية خاطفة. حيث ما تزال كواليس ليلة القبض على مادورو في الثالث من يناير/ كانون الثاني الفارط، غير معلومة بصفة كاملة للرأي العام الفنزويلي والعالمي. 
أمّا في إيران، فقد افتتحت واشنطن عمليتها العسكرية الواسعة ضدّ إيران في آخر فجر من شهر فبراير- شباط، بقتل مرشدها الأعلى علي خامنئي. حيث استهدفت المقاتلات الأمريكية منزل علي خامنئي ومكتبه في العاصمة الإيرانية طهران. 
وأعلن التلفزيون الإيراني في ساعة متأخرة من ليلة الفاتح من مارس- آذار 2026، عن اغتيال خامنئي، معلنا في الوقت نفسه الحداد لمدة 40 يوما وعطلة بـ7 أيام كاملة.

رؤية استراتيجية أمريكية 
ولئن توافقت عمليتا اصطياد مادورو وخامنئي مع الرؤية العسكرية والاستراتيجية الأمريكية الحالية، والمتمثلة في تغيير الأنظمة المعادية من خلال ثنائيتي "الضغط الاقتصادي وفك رأس النظام عن جسده"، دون شنّ حروب طويلة أو دفع بالقوات الأمريكية على الأرض. فإنّ نجاعة القوات الأمريكية في توجيه ضربات دقيقة إلى رأس الأنظمة، وسهولة تجاوز منظومات الدفاع وبُنى التحصين الاستخباراتي واللوجستي، تبقى محلّ تساؤل حقيقيّ، لاسيما وأنّ الأطراف المقابلة كثيرا ما تروج لخطاب الاستعداد للحرب ولمضامين تعلّم الدروس من الحروب الأمريكية السابقة.  
في هذا المفصل، يبدو أنّ النجاعة الأمريكية الواضحة في اصطياد "الرؤوس الكبرى"، تعود إلى 6 أسباب كبرى. 

6 أسباب كبرى 
السبب الأول ويكمن في التفوق التكنولوجي والسيبراني المطلق، حيث تعتمد واشنطن في الهجمات الأولى على سرب من الضربات التكنولوجية التي تشل الدفاعات الجوية للخصم بما يجعله "كتابا مفتوحا" أمام مقاتلاتها المتطورة.      
فقبل اعتقال مادورو، تم شل شبكات الدفاع الجوي "إس 300"، وقبل اغتيال خامنئي تم شلّ منظومات "باور" ما سمح للمقاتلات الشبحية "إف -35" و"إف22" بالتحليق على ارتفاعات متوسطة وبقراءة الجغرافيات الإيرانية والفنزويلية بشكل شبه ميكروسكوبي. 
أمّا السبب الثاني فيتمثل في الاستطلاع الفضائي اللحظي، حيث توظّف واشنطن في كافة حروبها شبكة أقمار صناعية متطورة تابعة للبنتاغون. وقد وفرت هذه الأقمار معلومات استخباراتية دقيقة عن كافة تحركات القادة الإيرانيين والفنزويليين بالثانية، وقدمت بيانات جغرافية عن التغيرات في التضاريس القريبة من المنشآت النووية، وهو الأمر الذي سهّل مأمورية الوصول إلى الرؤوس الكبرى للنظام.
وقد علق" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هذا المعطى بالقول "إنّ خامنئي لم يستطع الإفلات من أجهزة استخباراتنا وأنظمة التتبع المتطورة للغاية". 
أما السبب الثالث فيتجسد في الاختراقات والانشقاقات الصامتة الحاصلة في هيكلة القيادات، إذ وفرت معلومات دقيقة جدّا عن مكان تواجد مادورو خلال ليلة الثالث من يناير- كانون الثاني 2026، وفي إيران يبدو أنّ سنوات الضغط الاقتصادي قد أثمرت عن خلايا نائمة داخل مفاصل حساسة في طهران، مكنت الجانب الأمريكي من معرفة توقيت وجود خامنئي والقادة العسكريين الآخرين – حيث تتحدث بعض المصادر عن اغتيال قيادات عسكرية أولى- في مواقع محددة لحظة الهجوم فجر الثامن والعشرين من فبراير- شباط. 

حاملات الطائرات العملاقة 
أما العامل الرابع، فيتجسم في السفن الكبرى وحاملات الطائرات الأمريكية العملاقة الراسية على ساحلي "فنزويلا" و"إيران". وهي سفن عظيمة لا تحمل فقط صواريخ "توم هوك" فقط، بل تتمتع بوحدات الحرب الإلكترونية المتطورة تمكنت من التشويش بين مقرات القيادة السياسية والعسكرية من جهة والقواعد والوحدات العسكرية في إيران وفنزويلا. 
هذا بالإضافة، إلى أهميتها العسكرية في تقليص "زمن التحذير"، فالصاروخ أو المسيرة أو الطائرة المقاتلة التي تنطلق من غواصة قريبة من الساحل يمكن أن تصل هدفها قبل أن يتمكن الخصم من تفعيل بروتوكول "إجلاء القيادة". 
أمّا العامل الخامس، فيتمثل في معرفة جغرافيا توزيع الرادارات الإيرانية، حيث تفطنت واشنطن إلى أنّها تتمركز أساسا على الحدود البرية العراقية والأفغانية، ولا تنتشر بشكل كبير على السواحل، وهو ما ساعدها على توجيه ضربات من "الزّاوية الميتة"، حيث الالتفاف على الرادارات البرية من البحر. 
أمّا العامل الأخير، فيتجسد في توظيف واشنطن للرمادية السياسية والخطابية، للإيهام بأنّ فرضية الحرب مستبعدة وأنّها ترجح فرضية السلام والمفاوضات في ذات الوقت الذي يكون فيه البنتاغون يضع اللمسات الأخيرة على خطط الحسم العسكري. إذ تعطي الخطابات الناعمة لترامب ولفريقه السياسي، "وهم" التهدئة واستقرار الأوضاع، الأمر الذي يولّد "استرخاء" عسكريا واستخباراتيا لدى الخصم، تستغله واشنطن في توجيه الضربة الأولى، والتي في العادة تكون "المنعرج" الحقيقي لمسار الحرب.