موسكو ترفع سقف المواجهة.. رسالة ردع جديدة بصواريخ «الزركون»

موسكو ترفع سقف المواجهة.. رسالة ردع جديدة بصواريخ «الزركون»

تشير الضربات الروسية المكثفة التي استهدفت أوكرانيا خلال الأسابيع الأخيرة إلى احتمال دخول الحرب مرحلة جديدة من التصعيد، بعد أكثر من أربع سنوات من القتال والاستنزاف المتبادل.  فبينما واصلت كييف توسيع نطاق هجماتها بالطائرات المسيّرة داخل العمق الروسي، ردت موسكو بسلسلة من الهجمات غير المسبوقة، شملت استخدام أعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية و المسيّرات، وصواريخ «الزركون» فرط الصوتية التي باتت تمثل أحد أبرز أدوات الردع الروسية.

مؤشرات على تغيير 
قواعد الاشتباك
شهد شهر مايو سلسلة من التطورات التي عكست ارتفاع مستوى التوتر بين الطرفين. فقد شنت روسيا منتصف الشهر واحدة من أكبر هجماتها الجوية منذ اندلاع الحرب، مستخدمة مئات الطائرات المسيّرة وعشرات الصواريخ ضد أهداف أوكرانية، بحسب «يوراسيان تايمز».
وردت كييف بتكثيف ضرباتها بعيدة المدى ضد منشآت روسية، قبل أن تعلن موسكو تعرض منشأة مدنية وسكن طلابي في منطقة لوهانسك لهجوم أوكراني أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا.  واعتبرت السلطات الروسية الحادث تجاوزًا لخطوط حمراء جديدة، ما دفع وزارة الخارجية الروسية إلى إصدار تحذير شديد اللهجة أكدت فيه أن «كأس الصبر قد فاض». هذا الخطاب ترافق مع تحول ميداني واضح تمثل في استهداف منشآت وصفتها موسكو بأنها مرتبطة بالصناعات الدفاعية ومراكز صنع القرار في كييف، إلى جانب تكثيف الهجمات واسعة النطاق على العاصمة ومدن أوكرانية أخرى.

رسائل تتجاوز ساحة المعركة
أحد أبرز مظاهر التصعيد تمثل في الاستخدام المكثف للأسلحة المتطورة، وعلى رأسها صواريخ «زركون» فرط الصوتية وصاروخ «أوريشنيك» الباليستي. ويُعد «الزركون» من أكثر الأسلحة الروسية تطورًا، إذ صُمم أساسًا لاستهداف القطع البحرية الكبيرة وحاملات الطائرات، قبل تطويره لاستخدامات برية.  وتمنحه سرعته العالية قدرة على الوصول إلى أهدافه خلال دقائق معدودة، ما يقلص فرص اعتراضه ويحد من قدرة أنظمة الدفاع الجوي على التعامل معه. كما أن تسجيل أوكرانيا عجزًا عن اعتراض الصواريخ المستخدمة خلال الضربات الأخيرة منح موسكو فرصة لإبراز فاعلية منظوماتها المتقدمة، وإيصال رسالة إلى كييف وحلفائها الغربيين بأن لديها أدوات تصعيد إضافية لا تزال بعيدة عن العتبة النووية. ويرى مراقبون أن الهدف لا يقتصر على تحقيق تأثير عسكري مباشر، بل يشمل أيضًا توجيه رسائل ردع استراتيجية للغرب، وإظهار أن روسيا ما زالت تمتلك مخزونًا كبيرًا من القدرات الصاروخية رغم سنوات الحرب والعقوبات.

ما الذي يمكن أن
 تفعله موسكو بعد ذلك؟
السؤال الأهم لا يتعلق فقط بالضربات الحالية، بل بالخيارات المتاحة أمام روسيا إذا قررت مواصلة التصعيد. فالخطاب الروسي الأخير يوحي بأن موسكو باتت أقل التزامًا بالقيود التي فرضتها على نفسها خلال السنوات الماضية، سواء فيما يتعلق بنوعية الأهداف أم بحجم القوة المستخدمة.  كما أن التحذيرات الموجهة للدبلوماسيين الأجانب بمغادرة كييف تعكس رغبة في توسيع نطاق الضغط النفسي والسياسي على الحكومة الأوكرانية وشركائها.
ومع ذلك، فإن تكثيف الهجمات الصاروخية وحده قد لا يكون كافيًا لحسم الحرب عسكريًا، إذ تشير التجارب السابقة إلى أن الضربات الجوية المكثفة غالبًا ما تؤدي إلى إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية ورفع كلفة الحرب، لكنها لا تضمن تحقيق اختراق حاسم على الأرض. في المقابل، قد تستخدم موسكو هذا التصعيد لتحسين موقعها التفاوضي، أو لإقناع العواصم الغربية بأن استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا سيؤدي إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار. وفي جميع الأحوال، فإن الاستخدام القياسي لصواريخ «الزركون» والهجمات الواسعة التي شهدتها الأسابيع الأخيرة يشيران إلى أن الحرب دخلت مرحلة أكثر خطورة، تتراجع فيها القيود التقليدية وتزداد احتمالات المواجهة غير المباشرة بين روسيا والغرب، حتى وإن بقيت العتبة النووية بعيدة في الوقت الراهن.